Boys University Girls University

قديم 12-18-2012   #1

قبري يضمني ولا احد يذلني

رقَمْ آلع’َـضويـہ: 3267
التسِجيلٌ : 9-10-2011
مشَارَڪاتْي : 18
مُڪإني :
الكُلِّيَة : لايوجد
التَخَصُصّ : لايوجد
المُسّتَوَىْ : لايوجد
 نُقآطِيْ » قبري يضمني ولا احد يذلني على طريق التميز
افتراضي ملخص النقد الادبي القديم كامل....

ملخص مادة " النقد الادبي القديم " المستوى السادس
مقدمة عن نشأة النقد ( النقد في اواخر القرن الثاني )
قضى النقد العربي مدة طويلة من الزمن وهو يدور في مجال الانطباعية الخالصة والاحكام الجزئية التي تعتمد المفاضلة بين بيت وبيت او تمييز البيت المفرد او ارسال حكم عام في الترجيح بين شاعر وشاعر الى ان اصبح درس الشعر في القرن الثاني الهجري جزآ من جهد علماء اللغة والنحو فتبلورت لديهم قواعد اولية في النقد بعضها ضمني وبعضها صريح ولكنها كانت في اكثرها ميراث القرون السابقة .. وفي طليعة تلك القواعد اعتماد النقد مبدا اللياقة ,, وقريب من هذه القاعدة قاعدة اخرى نشأت من ملاحظة الجودة المثالية في الشيء الموصوف فالشاعر قد يص فرسه بان شعره مسترسل على جبينه وكذلك هو في واقع حاله فيعاب بهذا الوصف لان العرب اتفقت على ان الفرس الجيد لا يكون شعره كذلك ويسمى المبدأ الثاني مبدا الجودة والمثالية ,, ان الخضوع للعرف العام في الخلق الفردي والاجتماعي وفي محاسن الاشياء وعيوبها هو الحكم الذي يفيء اليه اولئك النقاد العلماء في دراستهم للشعر وكانوا ما يزالون يتساءلون عن امدح البيت واغزل بيت واهجى بيت ولم يكن هذا السؤال وليد اعتقاد بان البيت هو الوحدة الشعرية وانما كان وليد البيئة التي تعتمد على الحفظ وعلى الاستشهاد والتمثل بالأبيات المفردة السائة مثلما هو نتاج المفاضلة الساذجة في نطاق الموضوع الواحد وسيكون النظر الى البيت المفرد السائر او الابيات المفردة السائرة محكآ للجودة ما دام الحفظ لا يسمح بتصور القصيدة جميعا ولكنا نرى الى جانب ذلك اهتماما بقصائد تؤخذ جملة ويطلق عليها الحكم ويقرض صاحبها بها وبانه لو اجتمع له عدد من القصائد مثلها لكان عالي الشأن في ميزان النقد ,,
الرواة يستجيبون للتغيير في الشعر
وقد جرت القواعد السابقة واشباهها الى عمل خطير في نطاق الرواية الادبية حين استباح الرواة ان يغيروا ما يمكن تغييره اذ هو لم يتفق وتلك القواعد .
الخليل ومصطلح العروض البدوي
وكان الخليل بن احمد حين وضع علم العروض قد وضع في ايدي هؤلاء العلماء مصطلحا للعيوب الشكلية من اقواء واسناد وايطاء ظل هو مفزعهم كلما ارادوا نقد الشعر من تلك الناحية والشيء اللافت للنظر في مصطلح الخليل انه مستمد من بيت الشعر بفتح الشين وقد كان عمله من هذه الناحية يمثل وعيا دقيقا وتكاملا في النظرة العامة .
قاعدة الاستواء النفسي
ونحن اذا امعنا النظر في احكام هؤلاء العلماء وكتاب الموشح للمرزباني معرضها وجدنا ان هناك نواة لحركة نقدية مهما تكن اسبابها موصولة بالخطاء او الصواب وانها قد تتطور في المستقبل الى نظرات اوفى واشمل وفي مدمة تلك القواع ما يمكن ان نسميه " قانون الاستواء النفسي " أي يظل الشاعر ملتزما بمستوى واحد من النظرة الى الحياة وقيها , وهذا القانون الصارم يجهل تقلب الحال النفسية وينكر ان يكون شعور الشاعر متفاوتا بحسب تلك الحال وهو من القوانين الخاطئة التي لا تلبث ان تندرس كلما اتسع مجال الفهم النفسي لدى النقاد ولعل هذا هو الذي دعا بعض النقاد الى ان يقول : ان كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه يعتذر بذلك عن التفاوت النفسي بالإضافة الى التفاوت في مستوى الجودة الشعرية
قانون الشمول الخاطئ
واذا كان القانون السابق يدل على مقدار التصور الخاطئ والادراك الساذج فان بعض المقاييس الاخرى يدل على شمول في النظرة ويعتريه الخطاء من ذلك الشمول نفسه ومثاله ما رواه ابوعبيدة عن ابي الخطاب الاخفش قال ابو الخطاب وكان اعلم الناس بالشعر وانقدهم له واحسن الرواة دينا وثقة ( لم يهج جرير الفرزدق الا بثلاثة اشياء يكررها في شعره كلها كذب منها : جعثن والزبير والقين ) فهذا الحكم قائم على تمثل واضح لشعر جرير الذي يكرر الهجاء بهذه الاشياء ولكنه حك ينظر الى الموضوع نفسه لا الى الطريقة ويحتكم الى قاعدة الكذب وهي قاعدة اخلاقية .
مفهوم الشعر
عند قدامى بن جعفر
عرفه بأكثر من تعريف وهي :
( كلام موزون مقفى دال على معنى ) ثم زاد على ذلك قوله ( ويكون اكثر من بيت ) حتى ينفي من الشعر ماجاء موزونا اتفاقا
( الشعر قو موزون مقفى يدل على معنى ) فكلمة قول : بنزلة الجنس . وموزون فصل له عما ليس بموزون . ومقفى فصل عما هو موزون ولا قوافي فيه , ودال على معنى فصل له عما يكون موزونا مقفى ولا يدل على معنى .. غير ان وضعه المقفى صفة فاصلة للشعر تدل على انه يؤثر ان يستقل بحديثه عن الشعر العربي وانه لا يحتاط كما احتاط الفارابي من لعد بقوله ( ان للعرب من العناية بنهايات الابيات التي في الشعر اكثر مما لكثير من الامم التي عرفنا اشعارهم ) ولا يحتاط شان ابن سينا حين قال ( الشعر هو كلام مخيل مؤلف من اقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة ) وقد كان هذا التعريف مورطا لقدامة على الصعيد المنطقي لان القافية لا تعدو ان تكون لفظة فهي جزء من القول او ركن من اللفظ أي هي داخلة في اللفظ وفي المعنى وفي الوزن فإفرادها خروج على المنطق ولذا فإن قدامة وقع في حيرة من امره حين اراد ان يستكشف ائتلافها مع هذه العناصر لانها ليست وحدة قائمة بذاتها ثم وجد انها يمكن ان تقع مؤتلفة مع المعنى ومن ثم يتجه الحديث في الشعر الى عناصره البسيط ( اللفظ – المعنى – الوزن – القافية ) ثم يتجه الى المركبات ( اللفظ والمعنى – اللفظ و الوزن – المعنى الوزن – المعنى والقافية ) فهذه ثماني وحدات قسمة منطقية اسعف فيها شيء من التساهل في امر القافية الا انها يجب ان تعتمد اساسا ثنائيا لان كلا من العناصر البسيطة والمركبة قد يكون جيدا وقد يكون رديئا ولهذا كانت هذه الوحدات في حالتي الايجاب والسلب ست عشرة 0
صورة موجزة لكتاب نقد الشعر :ويطل الحديث عن عناصر : اللفظ والوزن والقافية وعن ائتلاف اللفظ والوزن وائتلاف المعنى والقافية وهو مفتعل امرا سهلا ليس فيه تعقيد في حالي الوجوب والسلب او الجودة والرداءة 0
1- فاللفظ يجب ان يكون سمحا سهل مخارج الحروف من مواضعها عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة وعيوبه ان يكون ملحونآ وجاريا على سبيل الاعراب واللغة وحشيآ قائما على المعاظلة
2- والوزن يكون سهلا العروض فيه ترصيع وعيوبه الخروج عن العروض والتخليع 0
3- والقافية تكون عذبة الحرفة سلسة المخرج فيها تصريع وعيوبها هي العيوب القديمة من اقواء وتخميع وايطاء واسناد 0
4- وائتلاف اللفظ والوزن ان تكون الاسماء والافعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت 0 لم يضطر الامر في الوزن الى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها وهذا يرجع الى صناعتي المنطق والنحو وعيب ائتلاف اللفظ والوزن : الحشو والتثليم والتذنيب والتغيير والتفصيل 0
5- وائتلاف القافية مع المعنى ان تكون متعلقة بما تقدم تعلق ملاءمة ونظم بالتوشيح او الايغال وعيبها في هذا الصدد ان تكون مستدعاه متكلفة يتعمد فيها السجع دون فائدة للمعنى 0
ولكن الصعوبة تجئ من المعنى وهذا هو الباب الذي يشغل الجزء الاكبر من كتاب قدامة اذ ما دام المنطق هو الاساس المعتمد فلا بد من حصر المعاني على قدر الامكان ثم حصر الصفات الموجبة والسالبة التي قد تلحقها ولهذا يحدد قدامة المعاني بستة انواع كل منها ذو حدين جيد وردئ ولها سبع صفات كل صفة موجبها ونقيضها 0 وانواع المعاني تقع في الاغراض الاتية : المديح – الهجاء – المراثي – التشبيه – الوصف – النسيب 0 ولكل غرض حسنات ي المعاني وعيوب ويكفي ان يقال ان العيوب نقص للمحسنات 0 وتتوفر في المعاني الجيدة الصفات الاتية: صحة التقسيم – صحة المقابلات – صحة التفسير – التتميم – المبالغة – التكافؤ – الالتفات 0 واضدادها المعيبة هي: فساد التقسيم – فساد المقابلات – فساد التفسير – الاستحالة والتناقض – ايقاع الممتنع – مخالفة العرف – نسبة الشيء الى ما ليس له .
عند ابن طباطبا
يعرف ابن طباطبا الشعر بأنه ( كلام منظوم ) وان الفرق بينه وبين النثر انما يكمن في النظم وان نظمه معلوم محدود ويجب ان نقر بأن هذا التعريف على قصوره لم يتعرض لذكر التقفية التي سيتعرض لها قدامة بقوة ولكنه يشارك تعريف قدامة في النص على ان الشاعر مستغن عن العروض اذا كان صحيح الطبع والذوق ..
ثم يتناول كما تناول ابن قتيبة قبله ثقافة الشاعر فينص على ضرورة التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الاعراب والرواية لفنون الآداب والمعرفة بقي أيام الناس وانسابهم ومناقبهم ومثاليهم والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر والتصرف في معانيه في كل فن قالته العرب فيه ..
اتباع السنة او الموروث هو معتمد ابن طباطبا في النقد وهو على تضييقه في هذه الاتباعية ينفذ الى اغوار عميقة توضح انه لا يرى الشعر شيئا منفصلا عن البيئة والمثل الاخلاقية وان لم يستطع ان يطبق على معاصريه قانون تغير البيئات والازمنة فللعرب طريقة في التشبيه مستمدة من بيئتهم لان صحونهم البوادي وسقوفهم السماء فليست تعدو اوصافهم ما راوه منها وفيها وفي كل منها في فصول الزمان على اختلافها من شتاء وربيع وصيف وخريف ومن ماء وهواء ونار وجبل ونبات وحيوان وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن وكل متولد من وقت نشوئه وفي حال نموه الى حال انتهائه , وقبل ان يسرع الشاعر الى رد بعض تشبيهاتهم عليه ان يتفحصها مفتشا عن معناها فإنهم ادق طبعا من يلفظوا بكلام لا معنى تحته فإذا استبان ذلك لطف موقعه لديه وللعرب مثل عليا هي متكأهم في المدح والهجاء منها في الخلق الجمال والبسطة ومنها في الخلق السخاء والشجاعة والحلم والحزم والعزم والوفاء والعفاف والبر والعقل والامانة فهذه مما يمدح به كما ان اضدادها تصبح موضوعا للهجاء على ان هناك حالات تؤكد هذه المثل فالجود في حال العسر اهم من مجرد الجود والبخل من الواجد القانع اشنع وهكذا تتخذ هذه المثل نفسها مراتب متفاوتة تتشعب منها فنون من القول وصنوف من التشبيهات وما من شك في اننا هنا نقترب اقترابا شديدا من نظرية قدامة في هذا الصدد ولكن يبدو ان كلا من الناقدين كان يعمل على حدة دون ان يتأثر احدهما برأي الاخر او يسمع به 0
للعرب اذن طريقة خاصة في التشبيه من وحي بيئتهم ولهم مقاييس يعتمدونها في المدح والذم ولهم ايضا سنن من معتقدات لا تفهم معانيها الا بالتحصيل وهي اشبه بالمنجم الاسطوري الذي لابد للشاعر ان يغترف منه عند الحاجة كسقيهم العاشق للماء على خرزة تسمى السلوان وكضربهم الثور اذا امتنعت البقر عن الماء وكحذف الصبي منهم سنه اذا سقطت في عين الشمس وغير ذلك يمثل السنة الكبرى التي يجدر بالشاعر ان يثقفها ليجيء شعرهم كأشعارهم 00
عند ابن خلدون
هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والاوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله ومابعده الجاري على اساليب العرب المخصوصة به
واهم جزء من هذا التعريف واشده غموضا هو " الجاري على اساليب العرب "فاذا لم يجر على تلك الاساليب وان احتوى جميع العناصر الاخرى فانه لا يعد شعرا وانما هو كلام منظوم او هو شيء غير ذلك وبهذا السبب يخرج المتنبي والمعري من نطاق الشعر 0
عند حازم القرطاجني
عرض متسلسل لمنهج حازم
وفي سبيل الاطلاع على ما قاد به حازم لابد من أن تقيم ترتيباً جديداً للخطوات التي سار فيها، متذكرين في كل خطوة، إن هذا الناقد أسلم نفسه إلى وضع القواعد ولم يحاول التمثيل إلا في النادر، فجاء كلامه نظرياً، ولكنه سلم مما تورط فيه ابن رشد من التباين بين القاعدة والمثال؛ وقد نمر أثناء إعادة الترتيب على أمور لها ما يشابهها عند النقاد الآخرين، ولكن الرغبة في الكشف عن " التصور الكلي " لمنهج حازم يجعلنا نتغاضى عن هذا التكرار.
ما هو الشعر
لم ينف حازم أن الشعر كلام موزون مقفى (1) ، ولكنه وقف من هذا التعريف عند ناحية التأثير أي فعل الشعر في التحبيب والتنفير، وذلك لأن الشعر يعتمد على عناصر تكفل له هذه القدرة منها: حسن التخييل أو المحاكاة أو الصدق أو الأغراب (2) ولكن " أحسن الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته وقويت شهوته أو صدقه أو خفي كذبه وقامت غرابته " (3) ، وأردأ الشعر ما كان بضد ذلك، وهذا النوع الرديء جدير بألا يسمى شعراً؛ ذلك هو تعريف الشعر بالنسبة لتأثيره، أما من حيث الإبداع فإنه وليد حركات النفس أي وليد انفعالات تتناوب النفوس بين قبض وبسط (نزاع إلى ونزوع عن) وحركات النفس بين بسائط ومركبات، تتضمن الارتياح والاكتراث وما تركب منهما - وهي الطرق الشاجية، وتحت هذه يقع الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزوع والخوف والرجاء، ومن قيام الشعر بوصف هذه الانفعالات، تتولد المعاني الشعرية التي سنتحدث عنها فيما بعد (1) ؛ ولا بد لإبداع الشعر في أكمل الوجوه من ثلاثة عوامل خارجية:
(أ) المهيئات: وأهمها البيئة ذات الهواء المعتدل والمطعم الطيب والمناظر الجميلة، والنشأة بين الفصحاء الذين دربوا على الإحساس بالإيقاع، وحفظ الكلام الفصيح.
(ب)الأدوات: وهي العلوم التي تتناول الألفاظ والأخرى التي تتناول المعاني.
(ج) البواعث: وهي نوعان: إطراب وآمال (فالإطراب كعوامل الحنين والآمال كالاستشراف إلى العطاء وما أشبه).
ولهذا قلما يبرع في الشعر إلا من نشا في بقعة فاضلة وفي أمة فصيحة (ليجود اللفظ) وحدته آمال إلى التجويد وإعمال الروية، وخلق لديه الحنين رقة في الأسلوب.
ولا بد لكمال الإبداع من عوامل داخلية، وهي توفر ثلاث قوى لدى الشاعر:
(أ) القوة الحافظة: وذلك بان تكون خيالات الفكر منتظمة متمايزة، نعرف طبيعة الموضوع الذي يقبل عليه الشاعر فترفده بالتصور المناسب، دون أن يعتكر خياله فيقع في التخليط وعدم انتظام الصور.
(ب) القوة المائزة: وهي التي تعين الشاعر على ان يميز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم.
(ج) القوة الصانعة: وهي التي تتولى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني
والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض مع الاحتفاظ بالتدرج.
فإذا اجتمعت هذه القوى معاً في شاعر أطلق عليها " الطبع الجيد " .
ويبدو لنا من هذا المدخل إلى الشعر معظم الخصائص التي يتصف بها منهج حازم، فهو منهج قائم على الانتقاء والتنسيق والقياس؛ فهو قد انتقى من نقاد الفلاسفة تعريفه لماهية الشعر وعلاقته بحركات النفس، ومن الجاحظ القول بأثر البيئة والعرق (وذلك شيء شارك في جانب منه ابن قتيبة)، ووقف مع جميع النقاد القائلين بحاجة الشاعر إلى الثقافة (العلوم) وكذلك هو في حديثه عن البواعث؛ أما حديثه عن القوى الحافظة والمائزة والصانعة فإنها قياس على ما وجده لدى الفلاسفة (وخاصة ابن سينا) من الحديث عن قوى النفس: قوة الفنطاسيا والقوة المصورة والقوة المخيلة والقوة الوهمية والقوة الحافظة الذاكرة (1) ؛ وتبدو قيمة هذا الجمع في سيطرة حازم على مختلف الجوانب التي نجدها مبعثرة هنا وهناك - على مر الزمن - عند كثير من النقاد.
الفرق بين الشعر والخطابة وقضية الصدق والكذب
ومما يزيد حد الشعر وضوحاً إقامة التفرقة بينه وبين الخطابة، وقد كان لابد لحازم من أن يتصدى لهذا الموضوع خضوعاً للأثر الفلسفي الذي استوحاه من الفارابي وابن سينا، ويبدو انه هنا لم يحاول أن يجري في مضمار من تقدموه وإنما انفرد باستنتاجات جديدة. فقد قرر هنا أن الشعر قائم على التخييل وإن الخطابة قائمة على الإقناع، وكان الفارابي قد قال إن الأقاويل الشعرية كاذبة بالكل لا محالة لأنها قائمة على التخييل، ورغم ذلك فإنها ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) وأن لهذا التخييل قيمة البرهان في العلم. وسمى هذا التخييل باسم المحاكاة، وان المحاكاة لذلك أهم عنصر في الشعر، ولكنها ليست عنصراً في الخطابة، إذ تقوم الأقاويل الخطابية على الإقناع فهي صادقة بالمساواة (أي أن الصدق والكذب فيها متساويان)؛ ولكن حازما ذهب من الأسس التي وضعها - أو صاغها - الفارابي في منحى آخر. فالخطابة تقوم حقاً على الإقناع ولكنها تعتمد على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين ومن ثم كانت غير صادقة إلا أن عدل بها عن الإقناع إلى التصديق؛ أما التخييل في الشعر فإنه - كما قال الفارابي - قد ينقل الشيء على ما هو عليه أو يخيله على غير ما هو عليه، فهو أحق بأن يقال فيه: إن مقدماته تكون (إذا نقل الشيء على ما هو عليه) صادقة وتكون (إذا خيل الشيء على غير ما هو عليه) كاذبة (1) . وبعد أن يحدد حازم طبيعة السولوجسموس الشعري وهو أنه يرد دائماً محذوف إحدى المقدمتين أو النتيجة لأنه لا حاجة به إلى الإطالة في التفصيل (إذ في قوة القول نفسه ما يدل على المحذوف) يتجه حازم إلى القول بأن ما كان من الأقاويل القياسية مبنياً على تخييل وفيه محاكاة فهو قول شعري سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية، يقينية أو مشتهرة أو مظنونة؛ وعلى هذا فالقول الشعري يقبل من الخطابة بمقدار، ويظل على ذلك قولاً شعرياً.
فالأقاويل الصادقة تقع في الشعر ولكنها لا يصح أن تقع في الخطابة لان الإقناع بعيد من التصديق، إذ هو مبني على الظن الغالب، والظن مناف لليقين (2) . وقد تقع فيه الأقاويل الكاذبة لأنه قد يبدأ بمقدمات مموهة وهو شعر في الحالين، لأنه لا يسمى شعراً بمقدار ما فيه من عنصري الصدق والكذب وإنما بمقدار ما فيه من محاكاة أو تخييل (3) .

الفصل التام بين الشعر والنثر
هذه التفرقة الصارمة ( بالاستعارة والاوصاف والجريان على اساليب العرب ) جعلت ابن خلدون على عكس ماكانت الحال عليه لدى امثال ابن طباطبا وابن الاثير يضع حدا فاصلا بين الشعر والنثر مبانيا بذلك الاتجاه الذي جرى عليه الكتاب المتأخرون " وقد استعمل المتأخرون اساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الاسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الاغراض وصار هذا المنثور اذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يتفرقا الا في الوزن "ويعتقد ابن خلدون ان ضياع الحدود بين الشعر والنثر ليس صوابا من جهة البلاغه اذ ان الامور التي تناسب الاساليب الشعرية ليست مما يناسب الاساليب النثرية " اذ الاساليب الشعرية تناسبها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والاطتاب في الاوصاف وضرب الامثال وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة الى ذلك في الخطاب والتزام التقفية ايضا من اللوذعية والتزيين وجلال الملك والسلان وخاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك كله ويباينه وماحمل عليه اهل العصر الا استيلاء العجمة على السنتهم وقصورهم لذلك عن اعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد امده في البلاغه وانفساح خطوبه وولعوا بهذا المسجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتضى الحال ويجبرونه بذلك القدر عن التزيين بالاسجاع والالقاب البديعية ويغفلون عما سوى ذلك " ويؤاخذ ابن خلدون كتاب المشرق وشعراه على تضحيتهم احيانا بالصحة اللغوية والنحوية اذا استقام لهم سجع او جناس او مطابقة مظهرين بذلك شغفا غير طبيعي بالمحسنات الخارجية على حساب المبنى والمعنى ويبدو مما قاله ابن خلدون في الفصل بين الشعر والنثر انه يعني الكتابة الديوانية على وجه الخصوص من دون سائر الفنون النثرية
البواعث على قول الشعر
فاذا جاء الى عد البواعث الحافزة على قول الشعر اعاد ماذكره ابن قتيبة و اجمله ابن رشيق في العمدة والحق ان ابن خلدون يكمل النظرة الاندلسية نحو هذا الكتاب فقد اصبح معتمد النقد لدى اهل الاندلس ولذلك يوليه ثناء كثيرا حتى ليقول ( وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعه واعطاء حقها ولم يكتب فيها احد قبله ولا بعده )ولو تامل ابن خلدون فيما قرره من قبل لو جد ان البواعث الخارجية كمناظر المياة والازهار واوقات البكور عنج الهبوب من النوم ليست الا عاملا ثانويا في الحفز على الشعر اذ الحافز الاكبر هو ادارة القالب في النفس مرارا حتى تأنس اليه وترتاح ثم تجيء العبارات لتملا ذلك القلب فاذا لم يحضر القالب على نحو حافز فان جميع الدوافع الخارجية تصبح غير ذات قيمة 0
كذلك فان ابن خلدون لا يخرج عن الوصايا النقدية المعتمدة في تجنب الكلام المولد او ارتكاب الضرورات وينهي عن التعقيد وازدحام المعاني في البيت الواحد ويوصي بمجانبة الوحشي والسوقي المبتذل من لفظ ومعنى ويخلص الى تعليل الضعف العام في شعر الزهد والامداح النبوية بقوله ( ان السر في ذلك لان معانيها متداولة بين الجمهور فتصير بذلك مبتذلة)
الاصل هو اللفظ
ويعود بنا الى مشكلة اللفظ والمعنى فيرى ان الاصل في صناعه النظم و النثر انما هو اللفظ والمعاني تابعه للفظ ( لان المعاني موجودة عند كل واحد وفي طوق كل فكر منها ما يشاء ويرضى فلا تحتاج الى صناعه ) ويورد تشبيها على ذلك ماء البحر فلقد يغترف بآنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف بينما الماء واحد في نفسه وانما الاختلاف قائم بين الاواني , مرة اخرى نلتقي بنظرية ( المعاني المطروحة )تلك الفكرة التي بدات عند شخص من اشد الناس تنويعا في موضوعاته وافكاره وانتهت عند شخص من اعمق الدارسين فكرا في شؤون الحياة والمجتمع ,, هل مرد ذلك الى كلا من هذين المفكرين كان ينظر الى ما يملك نظرنه الى شيء لا ينفق عناء في سبيل الحصول عليه ؟ قد يكون الباعث على ذلك الثقة النفسية لدى كل منهما واذا كان الجاحظ قد اوجد تلك النظرية خدمة لفكرة الاعجاز فان ابن خلدون لم يكن له تلك الغاية ولكن حين تفهم المعاني بانها ( الحقائق العامة في الحياة ) فان الالتفات الى اللفظ ( او الى الصياغة ) يمكن قبوله على نحو ما
الاغراض الشعرية والاجناس النثرية
عند قدامة بن جعفر
راى قدامة ان اغراض الشعر اما ان يكون موضوعها الانسان ( الممدوح – المهجو – المرثي – المتغزل فيه – الموصوف ) واما ان يكون موضوعها الشيء الموصوف وقد يجي موضوع سادس يجمع بين هذين بالرابطة الصورية ( التشبيه ) وفكر قدامة اننا اذا استثنينا الوصف وهو موضوع مشترك بين الناس والاشياء فان الاربعه الالاولى ليست الا منحا للصفات او سلبا لها 0 فالمدح يتطلب صفات ايجابية تسلب في الهجاء وتحول الى المضيء في حال الرثاء وتحور عن قاعدتها الاصلية في الحديث عن النساء فما في هذه الصفات الايجابية ؟
هنا لجأ الى ثقافته الفلسفية فوجد ان افلاطون يجعل الفضائل الكبرى اربعا : العقل – الشجاعه – العدل – العفة 0 وبما ان مدح الرجال معناه ذكر فضائلهم فمن اتى في مدحه بهذه الاربع كان مصيبا ومن مدح بغيرها كان مخطئا وهذه الفضائل امهات ذات فروع ولا بأس ان يمدح الشاعر بكل ما يتفرع من كل فضيلة منها ففضيلة العقل تتفرع الى ثقافة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والكفاية والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى ومن اقسام العفة القناعه وقلة الشره وطهارة الازار وغير ذلك مما يجري مجراه ومن اقسام الشجاعه الحماية والدفاع والاخذ بالثأر والنكاية في العدو والمهابة وقتل الاقران والسير في المهامة الموحشة وما اشبه ذلك ومن اقسام العدل السماحة والانظلام والتبرع بالناثل واجابة السائل وقرى الاضياف وما جالس ذلك وليست هذه الفضائل دائما بسيطة بل يتركب منها فضائل اخرى تبلغ سنا فمن العقل مع الشجاعه يتولد الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالايعاد وليس الهجاء الا سلب هذه الفضائل عن المهجو كما ان الرثاء ( والصواب التأبين ) ليس الا تحويل الفعل الى صيغة الماضي ومن هذا يتبين ان الشعر الانساني في نظر قدامة يقوم ( اذا نحن استثنينا الغزل ) على قاعدة اخلاقية ركينة فلما كان الهجاء انكارا لانسانية المهجو صح حينئذ ان نعيره بفقدان هذه القاعدة لكي تحقره الى نفسه فيتعظ بحاله غيره
وفي هذا الصدد يثور امامنا سؤالان كبيران : اولهما كيف اهتدي قدامة الى هذا التفسير ؟ والثاني كيف نوفق بين هذه القاعدة الاخلاقية وبين اقرار قدامة بالغلو لدى الشاعر والفحش والتناقض ؟ ففي الاجابة عن هذين السؤالين يتضح جانب كبير من جهد قدامة الناقد
والسؤال الاول من هذين وهو : كيف اهتدى قدامة الى هذا التفسير يردنا الى كتاب الشعر لارسطو 0 لقد ذكر الاستاذ بونيبكر في مقدمته على كتاب قدامة انه لم يجد صلة بين هذا الكتاب وبين بويطيقا ارسططاليس ولكن التدقيق في ترجمة متى – التي اطلع قدامة على ترجمة شبيهة بها فيما يبدو – قد يشير الى امر مخالف
وغاية الفضيلة تمثل جانبا من الجواب على السؤال الثاني فقد قال ارسططاليس ان الفضيلة وسط بين طرفين فهل يجوز للشاعر ان يص قوما بالافراط في هذه الفضائل ؟ وجواب قدامة على ذلك بالايجاب لان هذا من باب الغلو في الشعر وليس يراد منه الا المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء لقد , لقد اختلف الناس في النظر الى الشعر وانقسموا في مذهبين : ناس يرون الغلو في المعنى وناس يرون الاقتصار على الحد الاوسط ,, بل ان بعضهم يستجيد الغلو في شعره وينكره في اخر ويقول قدامة معلقا على ذلك ( ان الغلو عندي اجود المذهبين وهو ما ذهب اليه اهل الفهم بالشعر والشعراء قديما وقد بلغني عن بعضهم انه قال : احسن الشعر اكذبه , ويرى الفلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم ) وفي هذا يقف قدامة مناقضا لمبدأ الصدق الذي دافع عنه ابن طباطبا والامدي معتمدا في رايه على نقاد قدماء من العرب و على فلاسفة يونان وان كنا لا ندري يقينا الى أي الفلاسفة يشير
الاجناس النثرية عند ابن عبد الغفور الكلاعي
أبو الطيب يجد نصيراً في الأندلس
وعنوان كتاب " الانتصار " يدل على إن المؤلف وقف فيه موقف الدفاع عن أبي الطيب ويؤخذ من إشاراته إليه انه تحدث فيه كيف كان أبو الطيب ينحو في غزل قصائده إلى غرض مقاصده (1) ، فيوحد بذلك بين موضوع القصيدة وفاتحتها؛ وإنه دافع عنه فيما تعقبه فيه النقاد من مثل قوله:
بليت بلى الإطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه (2) واتصل حديثه بالكشف عن بعض عيوب أبي تمام، وبإيراد أخبار سيف الدولة، ومن المحقق انه اطلع على شرح ابن جني وما حوته يتيمة الدهر للثعالبي، ولكنا نقدر انه استخدم مصادر أخرى، وبعضها أندلسي؛ وهو يرد على ابن شهيد الذي أشار في " حانوت عطار " إلى أن الاكتفاء بما لا يتجاوز الأربعين بيتاً في القصيدة يعد ضيق عطن، ودافع عن ابي تمام والجعفي (المتنبي) وذهب إلى أن الطول مملول، مخالفاً في ذلك ما تقدم منقول لابن رشيق (3) .
إحكام صنعة الكلام وابتكار مصطلح جديد
وأما رسالة " إحكام صنعة الكالم " فإنها تتناول النثر بالقواعد والأمثلة، فبعد مقدمات قسم الرسالة في بابين: الباب الأول في الكتابة وآدابها، والباب الثاني في ضروب الكلام وهي: الترسيل والتوقيع والخطبة والحكم والأمثال والمقامة والحكاية والتوثيق والتأليف (وقد أدرج مع هذه التي تعد أنواعاً على الحقيقة فصلاً في المورى والمعمى) ثم انصرف إلى الأسلوب نفسه فاختار السجع وقسمه إلى المنقاد والمستجلب والمضارع والمشكل. ومن هذه
القسمة يتجلى لنا أن وقفة ابن عبد الغفور عند أنواع النثر تعد هامة في تاريخ النثر العربي، لأنه استطاع من موقفه في الزمان أن يحدد الأنواع بدقة ووضوح، وأن ينصرف عن التحدث في أنواع البديع لان غيره قد أشبعها بحثاً؛ وانصرف هو إلى ابتكار مصطلح جديد لضروب النثر: فالترسيل في نظره أقسام منها:
(1) العاطل: لقلة تحيته بالأسجاع والفواصل، وهو أصل النثر، إذ التجمل بكثرة السجع طارئ.
(2) الحالي: وهو ما حلي بحسن العبارة ولطف الإشارة وبدائع التمثيل والاستعارة وزادت العناية فيه بالسجع دون غلبة لهذا السجع عليه.
(3) المصنوع: وهو ما نمق بالتصنيع ووشح بأنواع البديع وحلي بكثرة الفواصل والأسجاع.
(4) المرصع: وهو ما رصع بالأخبار والأمثال والأشعار والآيات والأحاديث وجرى فيه حل أبيات القريض.
(5) المغصن: وهو ما كان ذا فروع وأغصان بحيث تتم المقابلة فيه متوازية، فمن مقابلة أربع بأربع (ومن السلام سلام وغن لاح جوهراً، ومن الكلام كلام وإن فاح عنبرا).
(6) المفصل: وهو ما تراوح فيه المنثور والمنظوم على التوالي.
(7) المبتدع: وهو ما يقرأ فيه كلمات من جهتين وثلاث وربما أربع.

قضية اللفظ والمعنى
0عند الجاحظ
لماذا اتجه الجاحظ هذا الاتجاه مع انه لم يكن من الشكلين في التطبيق ؟ لهذا اسباب كثيرة منها ان الجاحظ لم يتابع استاذه النظام في قوله بالصرفة تفسيرا للاعجاز وانما وجد ان الاعجاز لا يفسر الا عن طريق النظم ومن آمن بأن النظم حقيق يرفع البيان الى مستوى الاعجاز لم يعد قادرا على ان يتبنى نظرية تقديم المعنى على اللفظ ومنها ان عصر الجاحظ كان يشهد بوادر حملة عنيفة يقوم بها النقاد لتبيان السرقة في المعاني بين الشعراء ولا نستبعد ان يكون الجاحظ قد حاول الرد على هذا التيار مرتين : مرة بأن لا يشغل نفسه بموضوع السرقات كما فعل معاصروه , ومرة بان يقرر ان الافضلية للشكل لان المعاني قدر مشترك بين الناس جميعا ,, وسبب ثالث قائم في طبيعة الجاحظ نفسه فقد كان رجلا خصب القريحة لا يعييه الموضوع ولا يثقل عليه المحتوى ايا كان لونه ولذا فان كان يحس ان المعنى موجود في كل مكان وما على الاديب الا ان يتناول ويصوغه صياغة متفردة ولم يكن الجاحظ يتصور ان نظريته التي لم تكن تمثل خطرا عليه ستصبح في ايدي شغلهم الشاغل وحسبنا ان العسكري الذي ورث هذه النظرية الجاحظية يقول ( ومن الدليل على ان مدار البلاغة على تحسين اللفظ ان الخطب الرائعه والاشعار الرائقة ماعملت لافهام المعاني فقط لان الرديء من الالفاظ يقوم مقام الجيد منها في الافهام وانما يدل حسن الكلام واحكام صنعته ورونق الفاظه وجودة مطالعة وحسن مقاطعة وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشئه واكثر هذه الاوصاف ترجع الى الالفاظ دون المعنى وتوخي صواب المعنى احسن من توخي هذه الامور في الالفاظ ولهذا تأنق الكاتب في الرسالة والخطيب في الخطبة والشاعر في القصيدة يبالغون في تجويدها ويغلون في ترتيبها ليدلوا على براعتهم وحذقهم بصناعتهم ولو كان الامر في المعاني لطرحوا اكثر ذلك فربحوا كدآ كثيرآ واسقطوا عن انفسهم تعبا طويلا )
ثم وقف الجاحظ من نظريته في الشكل موقفين اخرين احدهما يؤيدها والثاني ينقضها فاما الاول فهو اصراره على ان الشعر لا يترجم ( ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب ) واستعصاؤع على الترجمة انما هو سر من اسرار الشكل وانما الثاني فهو قوله ان هناك معاني لا يمكن ان تسرق كوصف عنترة للذباب ( فانه وصفه فأجاد صفته فتحأمى معناه جميع الشعراء لم يعرض له احد منهم ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسن القول فبلغ من استكراهه لذلك المعنى ومن اضطرابه فيه انه صار دليلا على سوء طبعه في الشعر .. قال عنترة :
جادت عليها كل عين ثرة فتركن كل حديقة كالدرهم
فترى الذباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشارب المترنم
غردآ يحك ذراعه بذراعه فعل المكب على الزناد الاجذم
فقوله انه لا يسرق دليل على ان ( السر في المعنى ) قبل اللفظ ولكن الجاحظ لم ينتبه لهذا التناقض ,, ويكمل الجاحظ منهج ابن سلام في التمييز بين الصحيح والمنحول في الشعر فيستخدم شهادة الرواة ويتخذ تفاوت الشعر كما اتخذه ابن سلام وسيلة يثبت به الانتحال فيروي بيتا منسوبآ لاوس بن حجر :
فأنقض كالدري يتبعه تقع يثور تخاله طنبا
ويقول في التعليق ( وهذا الشعر بيس يرويه لاوس الا من لا بفصل بين شعر اوس بن حجر وشريح بن اوس )
ويضيف الى ذلك دليلا داخليا فاذا روى قول الافوه الاودي :
فارس في كفه للحرب نار كشهاب القذف برميكم به
قال ( وبعد فمن اين علم الافواه ان الشهب التي يراها انما هي قذف ورجم وهو جاهلي ولم يدع هذا احد قط الا المسلمون )
وتدل التعليقات التي يقيدها الجاحظ حول بعض ما يرويه من الاشعار على انه كان حادا احيانا في نقده ولكن هذه الحدة تجيء مرات مشفوعه بالسخرية تلك الميزة التي قل ان نجها لدى معاصريه من النقاد واظن ان الجاحظ لو استرسل مع طبعه الساخر لكان ناقدا انطباعيا ولكنه اثر في اغلب الاحوال ان يكف من لذعاته فمن نقداته الساخرة قوله ( وانا ازعم ان صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا ابدا ولولا ان ادخل في الحكم بعض الفتك لزعمت ان ابنه لا يقول شعرا ابدا )
عند ابن قتيبة
يتفق الناقدان _ ابن قتيبة والجاحظ _ في هذا الموقف وابن قتيبة ابين في التعبير عنه واكثر اسهابا ثم يفترقان في مواقف اخرى لان الاعتدال عند ابن قتيبة قد بسط ظله على نظرته العامة ومن ابين الفروق بينهما اختلافهما في النظر الى مشكلة اللفظ والمعنى فبينا انحاز الجاحظ الى اللفظ ذهب ابن قتيبة مذهب التسوية ,, ولهذه القضية ركنان ( اللفظ والمعنى ) ومميزان ( الجودة و الرداءة) ولا بأس ان يتجه ابن قتيبة في هذا النحو المطلق وان كان يكرهه علما فيجد ان الشعر اربعه اضرب لا تسمح العلاقة المنطقية في نظره باكثر منها : أ ) لفظ جيد ومعنى جيد , ب ) لفظ جيد ومعنى رديء , ج ) لفظ رديء ومعنى جيد , د ) لفظ رديء ومعنى رديء .. وقد استعملنا هنا لفظي الجودة والرداءة وان كان ابن قتيبة لم يستعملهما وانما استعمل احيانا ( ضرب حسن لفظه فاذا انت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى ) او ( ضرب منه جاد معناه وقصرت الفاظه ) ولم يستعمل لفظتين حاسمتين في دلالتهما وانما فعل ذلك ليكون ابعد عن الحدة التي قد تستشف من قولنا ( جيد ورديء ) واثرنا الزامه بلفظتين لكي لا تضطرب عليه القسمة المنطقية فالمسالة اذن مسالة صلة بين اللفظ والمعنى وعلاقة الجودة في كليهما معا هي المفضلة وهذا يعني ا المعاني نفسها تتفاوت وانها ليست كما زعم الجاحظ ( مطروحة في الطريق ) ويستشف من امثلة ابن قتيبة ان المعنى عنده قد يعني الصورة الشعرية مثلما يعني الحكمة ولكن هذه الامثلة نفسها تشير الى انه يستمد حكمه من بيت واحد او بيتين او ثلاثة في الاكثر . ان قضية اللفظ والمعنى لم تتناول العمل الادبي كله تحت بحيث تتطور الى ما نسميه ( الشكل والمضمون ) ولا هي استطاعت ان تقترب مما قد يسمى ( الصلة الداخلية ) بين هذين , ولعلها كانت ذات اثر بعيد في صرف النقد عن تبين وحدة الاثر الفني في مبناه الكلي غير انها رغم ذلك اسلم من الانحياز السافر الى جانب اللفظ 0 الى جانب معادلة اللفظ والمعنى وقف ابن قتيبة عند قسمة ثنائية في النظرية الشعرية فقد كثر الحديث في عصره عن الطبع والتكلف دون تحديد لهذين المصطلحين فتناولها ابن قتيبة بالتفسير والتمثيل وقد خفي على الدارسين المحدثين ان قلة ( المصطلح النقدي ) لدى ابن قتيبة جعلته يستعمل هاتين اللفظتين بمدلولات مختلفة فالتكلف حين يكون وصفا للشاعر مختلف عن التكلف حين يكون وصفا للشعر تقول شاعر ( متكلف ) وتعني ما نعنيه حين نقول انه ( صانع ) ولهذا يقول ابن قتيبة : ( فالمتكلف من الشعراء هو الذي قوم شعره بالثقاف ونقحه بطول التفتيش واعاد فيه النظر بعد النظر كزهير والحطيئة ) ولا نظن ان ابن قتيبة يستر ذل شعر زهير والحطيئة او يراهما دون من يسميهم ( الشعراء المطبوعين ) وتقول ( شاعر مطبوع ) وتعني في ذلك ما نعنيه اليوم بعفوية القول وتدفقه ,, يقول ابن قتيبة ( والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي واراك في صدر بيته عجره وفي فاتحته قافيته وتبينت على شعره رونق الطبع و وشي الغريزة واذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحر ) وهذا يعني ان الطبع يشمل القول على البداهة مثلما يشمل ( الصنعه الخفية ) التي لا تظهر على وجه الاثر الفني فاذا قلت ( شعر متكلف ) عينت ظهور ( التفكر وشدة العناء ورشح الجبين وكثرة الضرورات وحذف ما بالعاني اليه حاجة وزيادة ما بالعاني غني عنه ) وهذا يقابل ما نسميه ( رداءة الصنعه ) وليس كذلك شعر المنقحين امثال زهير والحطيئة على ان المتكلف من الشعر قد يكون جيدا محكما في راي ابن قتيبة ولكن لا اظنه يعني : ما تكثر فيه الضرورات وما فيه حذف للضروري واثبات لما يمكن الاستغناء عنه وكيف يكون في هذا الجيد المحكم وهو مخل بأبسط مقتضيات البلاغة ؟ ويذكر ابن قتيبة سمة اخرى للتكلف في الشعر سوى رداءة الصنعه وتلك السمه ( ان ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره ومضموما الى غير لفقه ) وهذا مقياس هام لانه اول الطريق الى الوحدة الكلية في القصيدة عامة وفقدان القراءة بين الابيات ليس من صفات شعر المنقحين ومن ثم يتضح لنا تماما ان لفظة المتكلف اذا اقترنت بالشاعر عنت شيئا متميزا عن معناها حين يوصف بها نوع من الشعر ولذلك قال ابن قتيبة في وصف ابيات للخليل ( وهذا الشعر بين الكلف رديء الصنعه )
عبدالقاهر الجرجاني
فلقد قرر عبد القاهر في نفسه منذ البداية ان القران معجز وحاول ان يستكشف فيه مواطن الاعجاز هل هو في الالفاظ ؟ فرد هذا القول ردا حاسما لان الالفاظ المفردة موجودة في الاستعمال قبل نزول القران ولا يجوز ان يكون الاعجاز في ترتيب الحركات والسكنات أي في طبيعة الايقاع لان ذلك قد ينطبق على مثل حماقات مسيلمة في قوله ( انا اعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر ) ولا يتحقق الاعجاز بالفواصل لان الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر وذلك امر كان العرب قد اتقنوه فلم يعد معجزا لهم فاذا بطل ان يكون الاعجاز متأتيآ من هذه الامور فهل الاعجاز آت من الاستعارة ؟ ذلك ايضا ممتنع ( لان ذلك يؤدي ان يكون الاعجاز في أي معدومة في مواضع من السور الطوال مخصوصة ) واذا كانت كل هذه الامور مجتمعة او منفردة لا تحقق الاعجاز ( فلم يتبق الا ان يكون الاعجاز في النظم )
مالقصود بالنظم والتاليف وهما متردافان في راي عيد القاهر ؟
يقرر الجرجاني اولا انه ليس لفظة في ذاتها لا في جرسها ولا دلالتها ميزة او فضل اولي وليس بين ايه لفظ واخرى في حال انفراد كل منهما على اختها من تفاضل لا يحكم على اللفظة بأي حكم قبل دخولها في سياق معين لانها حينئذ وحسب ترى في نطاق من التلاؤم او عدم على وجه يقتضيه العقل ويرتضيه وربط الالفاظ في سياق يكون وليد الفكر لا محالة والفكر لا يضع لفظة ازاء اخرى لانه يرى في اللفظة نفسها ميزة فارقة وانما يحكم بوضعها لان لها معنى ودلالة بحسب السياق نفسه ولهذا كانت المعاني لا الالفاظ هي المقصودة في احداث النظم والتاليف فلا نظم في الكلم ولا تاليف حتى يعلق بعضها ببعض ويبني بعضها على بعض وبهذا يكون اللفظ تابعا للمعنى بحسب ما يتم ترتب المعنى في النفس 0
ويخلص عبد القاهر من هذا الى وضع نظريته التي لا يسأم من تردادها في تحديد المراد من النظم فيقول ( واعلم ان ليس النظم الا ان تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه واصوله ونعرف مناهجه الت نهجت فلا تزيغ عنها ) ويؤكد ما تقدم بقوله ( فلست بواجد شيئا يرجع صوابه ان كان صوابا وخطؤه ان كان خطأ الى النظم ويدخل تحت الاسم الا وهو معنى من معاني النحو قد اصيب به موضعه ووضع في حقه او عومل بخلاف هذه المعامله فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له ) أي ان من شاء ان يحكم على مدى الصواب والخطا في النظم فلا بد له من ان يعالج قضايا التقديم والتاخير والفصل والوصل والاظهار والاضمار والاستفهام والنفي او ما اصبح من بعد عبد القاهر يسنى " علم المعاني " وعند هذا الحد انتهى نظر عبد القاهر في " قضية الاعجاز " لان هذا النظم هو اساس الجمال ايضا في الشعر والنثر ولم يقل لنا عبدالقاهر الى أي حد سماه " نظم القران " كمآ وكيفآ على ما عداه من صور النظم الجميل في الفنون الادبية وبهذا النظرة اتجه عبدالقاهر الى النقد والبلاغة يضع فيهما احكاما دون التفات كثير الى ان " قضية الاعجاز" تتطلب شيئا ابعد من حد المشاركة في الجمال المشاع بين صور التعبيرات الادبية المختلفة
كانت الروافد التي التقت في ذهن الجرجاني متعددة ولعلها كانت تبدو له متضاربة كما تعددت وتضاربت الاراء حول فكرة الاعجاز نفسها فقد ازعجه اولا ان يرى ذلك التقدير للالفاظ وتقديمها على المعاني عند من سبقه من النقاد حتى انهم جعلوا للفظة المفردة مميزات وصفات لم يستطع ان يتقبلها ذهنه المتمرس بتفاوت الدلالات وقيمة التعبير عن ذلك التفاوت وكان يحس بوعي نقدي فذ ان ثنائية اللفظ والمعنى التي تبلورت عند ابن قتيبة قد اصبحت خطرآ على النقد والبلاغة معآ اما على المستوى النقدي فإن الانحياز الى اللفظ قتل الفكر الذي يعتقد الجرجاني انه وراء عملية ادق من الوقوف عند ميزة لفظة دون اخرى واما على المستوى البلاغي فإن الجرجاني لم يستطع ان يتصور الفصاحة في اللفظة وانما هي ي تلك العملية الفكرية التي تصنع تركيبآ من عدة الفاظ وقد يجد الجرجاني عذرآ للقدماء الذين اقاموا تلك الثنائية ففخموا شأن اللفظ وعظموه وتبعهم في ذلك من بعدهم حتى قالوا : المعاني لا تتزايد وانما تتزايد الالفاظ .. وعذرهم في ذلك ان المعاني تتبين بالالفاظ ولا سبيل لمن يرتبها الى ان يدلنا على ماصنع في ترتيبها الا بترتيب الالفاظ لهذا تجوز القدماء فكنوا على ترتيب المعاني بترتيب الالفاظ نفسها ثم تحدثوا عن الالفاظ وحذفوا كلمة ترتيب ثم اسبغوا على الالفاظ صفات فارقة فقالوا : لفظ متمكن ولفظ قلق .. وانما مقصودهم المعنى ورغم هذا العذر الذي يجده للاقدمين فإنه يرى ان النقاد قد تورطوا في الجهل الفاحش حين لجأوا الى هذه القسمة او حين احتموا بذلك التصور واصبح اقتلاعه من نفوسهم امرآ عسيرآ وعاب ابن قنيبة دون ان يسميه لانه قسم الشعر في انواع : منه ما حسن لفظه لفظه ومنه ما حسن لفظه دون معناه ومنه ماحسن معناه لفظه فإذا لم يكن ابن قتيبة وهو احد القدماء معيبا فيما صنع فإن م جاء بعده قد ضل ضلالا بعيدآ حين اخذ هذه القسمة على ظاهرها واعتقد باستقلال اللفظة ومنحها صفات خاصة بها
من جهة ثانية نجد عبدالقاهر قد خطأ المنحازين الى جانب المعنى بشدة لا تقل عن شدته في تخطئته من ذهبوا الى ابراز مميزات اللفظة المفردة فقال ( واعلم ان الداء الدوي والذي اعيا امره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه واقل الاحنفال باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية ان هو اعطى الا ما فضل عن المعنى يقول : ما في اللفظ والمعنى ؟ وهل الكلام الا بمعناه ؟ فأنت تراه لا يقدم شعرآ حتى يكون قد اودع حكمة وادبآ واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر ) وظاهر الامر دون تمعن كبير قد يكون في جانب من يذهب هذا المذهب ولكن عند البحث عن الحقائق نجد ان جميع البلاغيين المتفهمين قد عابوا هذا المذهب حتى قال الجاحظ قوله المشهورة ( المعاني مطروحة في الطريق )
مامعنى قول الجاحظ ( المعاني مطروحة في الطريق ) ؟ اترى هذا حطآ من قيمة المعنى الذي يجعل الجرجاني المقام الاول ؟ هنا ينفذ الجرجاني يفهم دقيق الى سر مشكلة طال حولها الاخذ والرد فوجه راي الجاحظ توجيهآ ملامآ لما نعتقد ان الجاحظ رمى اليه فمصطلح معنى كما استعمله الجاحظ ذو دلالة دقيقة وهو في راي الجرجاني انما يتحدث به عن " الادوات الاولية " وتفسيرا لذلك يقارن الجاحظ بين الكلام ومادة الصائغ فهو يصنع من الذهب او الفضة خاتمآ فاذا اردت الحكم على صنعته وجودتها نظرت الى الخاتم من حيث انه خاتم ولم تنظر الى الفضة او الذهب الذي يصنع منه فهذه المادة الاولية تشبه المعنى المطروح وليس فيها تفاضل ان شئت ان تحكم على جودة الصنعة نفسها ولهذا قال الجاحظ بعد ان اورد رايه في شيوع المعاني ( وانما الشأن في اقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك وانما الشعر صياغة وضرب من التصوير ) وانما الذي دعا الجاحظ واضرابه الى تبني هذا المذهب خوفهم على فكرة الاعجاز فلو ان الفضل كان قاصرآ على تلك المادة الاولية التي سميت معنى بطل ان يكون للنظم فضل تتفاوت به المنازل ( واذا بطل ذلك فقد بطل ان يكون في الكلام معجز وصار الامر الى ما يقوله اليهود ) أي اصبح الاعجاز ان يحتوي الكلام على حكمة وادب واستخراج معنى غريب او تشبيه نادر وفي هذا تسوية بين القران واية مهارة ذهنية انسانية
وعلى اساس هذا التفسير يكون الناس الذين ظنوا ان المعنى في نظرية الجاحظ يشير الى عدم التفاوت في العملية الفكرية القائمة وراء البناء الفني قوما مخطئين في تصورهم فهم قد اساءوا فهم ما رمى اليه الجاحظ لانه لم يتجاوز بما يعنيه المادة الاولية التي تتولاها الروية بالصياغة فخلطوا بذلك بين تلك المادة الضرورية المشاعة وبين الروية الفكرية التي تؤسس وحدة كاملة من اللفظ والمعنى تأسيسآ متفاوتآ في القدرة على التأثير فأرجعوا الفضيلة الى اللفظ وحدة ( ولما اقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة الى اللفظ على ظاهره وابوا ان ينظروا في الاوصاف التي اتبعوها نسبتهم الفضيلة الى اللفظ ..... ولكن جعلوا كالمواصفة بينهم ان يقولوا اللفظ وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى والخاصة التي حدثت فيه ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال ( وذهب الشيخ الى استحسان المعاني والمعاني مطروحة وسط الطريق ....الخ) فالذي يعنيه الجاحظ وامثاله هو تلك الصورة لا مجرد اللفظ نفسه
لقد لجأ عبدالقاهر كثيرآ وهو يشرح هذه الفكرة حول الصورة المجتمعة من اللفظ والمعنى الى التمثيل عليها ومقايستها بعملية الصياغة او بالوشي والابريسم ولكنه كان في كل مرة متنبآ الى ما تجره هذه المقايسة من تضليل فالذي يتصور الشعر صياغة قد يرتسم في ذهنه ان الصائغين بصنعان سوارين لا يكون الفرق بينهما واضحآ فهل يمكن ان يحدث مثل ذلك في النظم ؟ويجيب عبدالقاهر على هذا التساؤل بتقرير مبدأ التفاوت دائما ولكن الناس درجوا على ان يقولوا هذا شاعر قد اتى بالمعنى بعينه على طريق التساهل والتجوز ولا يمكن لشاعر اخر ان يأتي بالمعنى بعينه الا كان ذلك تكرارا تاما لعبارات الشاعر الاول وفي هذا نفسه ما يدل على ميزة النظم لانها هي التي تحقق ذلك التفاوت ؟ اما التشبيه بالابريسم فانه ايضا قاصر لانه قد يوحي ان النظم ضم للكلمات بعضها الى بعض كما يحدث في ضم الابريسم بعضه الى بعض ويمكن رد هذا الوهم اذا تذكر المرء ان ضم الالفاظ يتبع نسقآ قرره النحو فاذا ضمت الالفاظ الى بعضها البعض دون ان تتوخى فيها معاني النحو لم يكن ذلك نظمآ فالفرق اذن بين النظم والابريسم هو فرق في العامل العمدي في انشاء سياق ما
قضية السرقات الادبية
عند الحاتمي
ولا نجد لدى الحاتمي مقاييس كبرى في مجال نقده التطبيقي او لنقل ان مقاييسه في الاغلب ضمنية او تعميمية فاذا تجاوز وضع المصطلحات وايراد الامثلة والقطع الحاسم دون تعليل بما هو جيد وما هو ردئ لم يكن شغله الشاغل الا الحديث في الاخذ والسرقة وما يتصل بهذا الموضوع من شئون والحق ان الحاتمي رتب اصول هذا الباب وميز مصطلحه وكان هو يحس بذلك فلذا تسمعه يقول ( وفرقت بين اصناف ذلك فروقا لم اسبق اليها ولا علمت ان احدا من علماء الشعر سبقني في جمعها )وقبل ان نمضي في تبيان ما حققه الحاتمي في هذا الموضوع علينا ان نتذكر انه استعمل هنا مصطلح الاستعارة بمعنى الاخذ اخذ العارية مع انه استعمل هذا المصطلح نفسه في صدر كتابه بالمعنى البياني المتعارف الذي جرى عليه ابن المعتز وغيره وهو ينكر على قوم ذهبوا الى انه ليس في الشعر اجتلاب او استعارة
وهذه هي الابواب التي وضعها الحاتمي في تعداد انواع الاخذ :
1- باب الانتحال : وهو ان يأخذ الشاعر ابياتا لشاعر اخر كما فعل جرير حين اخذ قول المعلوط
ان الذين غدوا بلبك غادروا وشلا بعينك ما يزال معينا
غبضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
2- باب الانحال : وهو ان يقول شاعر او راوية قصيدة ثم ينحلها شاعر اخر وقد اعاد الامدي هنا حديث ابن سلام عما كان يفعله حماد الراوية وتحدث هنا عن خلف الاحمر وعن نله الشعر لتأبط شرآ والشنفرى
3- باب الاغارة : وهو ان يسمع الشاعر المفلق والفحل المتقدم الابيات الرائعه بدرت من شاعر في عصره وباينت مذاهبه في امثالها من شعره وتكون تلك الابيات بالشاعر المغير وطريقته اليق فيستنزل قائلها عنها ومن امثالها ما فعله الفرزدق مع ذي الرمه حين سمعه ينشد :
احين اعاذت بني تميم نساءها وجردت تجريد الحسام من الغمد
4- باب المعاني العقم : وهي الابكار المبتدعة ومن امثالها قول امرئ القيس :
اذا ما استحمت كان فضل حميمها على متنتيها كالجمان على الحالي
5- باب المواردة : وهو التقاء الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ ولم يلق واحد منهما صاحبه ولا سمع بشعره
6- باب المرافدة : وهو ان يتنازل الشاعر عن بعض ابيات له يرقد بها شاعرا اخر ليغلب خصما له في الهجاء 0
7 – باب الاجتلاب والاستلحاق : وهو ان يجتذب الشعر بيتا لشاعر اخر لا على طريق السرق بل على طريق التمثل به 0
8- باب الاصطراف : وهو ان يصرف الشاعر بيتا او ابياتا الى احدى قصائده من شاعر اخر لحسن موقع ذلك البيت او تلك الابيات في سياق تلك القصيدة 0
9- باب الاهتدام – بوزن افتعال من الهدم – وهو ان يأخذ شاعر بيتا لاخر فيغير فيه تغييرا جزئيا فقول الشاعر :
اريد لانسى ذكرها فكأنما تعرض ليلى بكل سبيل
مهتدم من قول جميل :
اريد لانسى ذكرها فكأنما تعرض لي ليلى على كل مرقب
10 – باب الاشتراك في اللفظ : وهو ان يشترك الشاعران في شطر بيت ويتخالفان في الشطر الثاني فيقول الشاعر مثلا :
وخيل قد دلفت لها يخيل عليها الاسد تهتصر اهتصارا
فيجيء اخر ويقول :
وخيل قد دلفت لها بخيل ترى فرسانها مثل الاسود
11- باب احسان الاخذ : وهنا يذكر الحاتمي عن العلماء بالشعر ان الشاعرين اذا تعاورا معنى او لفظا او جمعاهما وكان الاخذ منهما قد احسن العبارة عنه واختار الوزن الرشيق حتى يكون في النفوس ألطف مسلكا كان احق به خاصة اذا اخفى الاخذ ونقله من موضوع الى اخر 0
12- باب تكافؤ المتبع والمبتدع في احسانهما : ومن امثلته قول امرئ القيس :
فلو انها نفس تموت احتسبتها ولكنها نفس تساقط انفا
يكافئه في الاحسان قول عبدة بن الطبيب :
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنها بنيان قوم تهدمها
13- باب تقصير المتبع عن احسان المبتدع : ومنه قول امرئ القيس :
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي
اخذه ابو صخر الهذلي فقصر عنه حين قال :
كأن قلوب الطير عند رمائها نوى القسب باق عند بعض المشارب
14- باب نقل المعنى الى غيره : وهو ان ينقل المعنى عن غير وجهه الذي وجه له واللفظ عن طريقته التي سلك فيها الى غيره وذلك صنعة راضة الكلام وصاغة المعاني وحذاق السراق اخفاء للسرق والاحتذاء وتورية عن الاتباع والاقتفاء 000 واكثر ما يطوع النقل في المعاني خاصة للمحدثين لانهم فتحوا من نوار الكلام ما كان هاجدا وايقظوا من عيونه ما كان راقدا 0
15 – باب تكافؤ السابق والسارق في الاساء والتقصير 0 كقول الفرزدق :
فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرى على منهل الا نشل ونقذف
وهو سيء اخذه كثير عزه فجاء به كذلك :
الا ياليتنا ياعز كنا لذي غني بعيرين نرعى في الفلاة ونعزب
16- باب من لطيف النظر في اخفاء السرقة : قال اوس ابن حجر
الم تكسف الشمس والبدر والكواكب للقمر الواجب
فنظر الى هذا المعنى واخفاه كل اخفاء النايغة الذبياني فقال :
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم وكيف بحصن والجبال جنوح
17- باب كشف المعنى وابرازه بزيادة ومنه قول امرئ القيس
كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاه نمير الماء غير المحلل
اخذه ذو الرمة فقال :
كحلاء في برج صفراء في نعج كأنها فضة قد مسها ذهب
18- باب الالتقاط والتلفيق : وهو ترقسع الالفاظ وتلفيقها واجتذاب الكلام من ابيات لنظم بيت واحد فمن ذلك قول ابن هرمة :
كأنك لم تسر بجنوب خلص ولم تلمم الطلل المحيل
التقطه من بيتين احدهما لجرير :
كأنك لم تسر ببلاد نعم ولم تنظر بناظرة المحيل
والثاني للكميت :
الم تلمم على الطلل المحيل يعيد وما بكاؤك بالطلول
19- باب في نظم المنثور : وهو نقل المعنى من النثر الى الشعر 0 قال مؤمن الاسكندر ( حركنا سكونه ) فقال ابو العتاهية :
قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركت كل من سكنا
هذه تسعة عشر بابا كان يمكن للحاتمي ان يختزلها فيما هو اقل من ذلك ولكنه شاء التفريع الكثير لاظهار اهتمامه بالموضوع وسبقه الى تمييز اصنافه
ولا ريب في ان العشرة الاولى من تلك الابواب تصلح ان تكون امثلة تاريخية 0
وان ما يتعلق بسرق الشعراء على الوجه الذي يعينه النقاد انما يشمل الابواب 10 – 19 وقد يمكن اعتبار بعض الابواب السابقة كالاهتدام مثلا عن عد الانتحال والنحل والاغارة والمرافدة وتوراد الخواطر انواعا تندرج تحت باب الاخذ والسرقة وتصلح رسالته في المقارنة بين بعض معاني ارسطو وبعض ابيات المتنبي مثالا تطبيقا كاملا على الباب التاسع عشر 0
عند ابن وكيع
وقبل ان يأخذ ابن وكيع في الكشف عن سرقات المتنبي يوطئ لذلك بمقدمتين : اولاهما تتناول البحث في السرقات الشعرية عامة 0 والثانية تتناول فنون البديع 00
وهو يقسم السرقات الادبية الى عشرة انواع ثم يجعل لهذه العشرة اضدادا تساويها فيكون التصنيف شاملا لعشرين نوعا وهذه هي الانواع العشرة الحسنة :
ملاحظة _ النوع رقم 7 محذوف في الكتاب اصلا وعليه جرى التنويه
1- استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل 0
2- نقل اللفظ الرذل الى الرصين الجزل 0
3- نقل ما قبح مبناه دون معناه الى ما حسن مبناه ومعناه 0
4- عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد ان كان هجاء
5- استخراج معنى من معنى احتذي عليه وان فارق ما قصد به اليه 0
6- توليد معانٍ مستحسنات في الفاظ مختلفات 0
7- مساواة الاخذ من الماخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام وان كان الاول احق به لانه ابتدع والثاني امتنع 0
8- مماثلة السارق المسروق منه في كلامه بزيادة في المعنى ماهو من تمامه 0
9- رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظه على لفظ من اخذ منه 0
وما عليك في تبين الاضداد الا ان تعكس فتقول في النوع الثالث مثلا ( نقل ما حسن مبناه ومعناه الى ما قبح مبناه ومعناه ) وتقول في النوع العاشر ( اخذ اللفظ المدعي ومعناه معاً ) ويقول ابن وكيع : ان هذا القسم الاخير هو اقبح اقسام السرقات كقول امرئ القيس :
وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك اسى وتجمل
اخذه طرفة فقال :
وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك اسى وتجلد
وقد زعم قوم ان هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر وبإزاء هذه الدعوى ان يقال بل سمع فأتبع والامران سائغان والاول ان يكون ذلك مسروقا وخلاصة هذه المقدمة ان في السرقة ما يوصف بالجودة وما يوصف بالرداءة وانها شيء عام في الشعر قديما وحديثا يكاد لا يعرى منها شاعر وان تلك هي حال المتنبي حين يجئ دوره للحديث عن سرقاته 0 ومصادر ابن وكيع في هذا القسم مصادر عامة اعني انه ينقل مما تردد في كتب الادب والنقد السابقة من امثلة السرقات 0 غير ان مططلع بوجه خاص على ابن قتيبة والصولي وكتاب السرقات لابن ابي طاهر 0
واما المقدمة الثانية التي تتناول فنون البديع فهي اقرار صريح بأن الناقد الادبي يحتاج الى ان يعرف هذه الفنون كي يحكم على جمال الاستعارة وصحة المقابلة ويميز الاشارة وغير ذلك وهذه سنة اوجدها قدامة وسار عليها الحاتمي في الحلية وفي الحالي العاطل وفي الموضحة وتعلق بها النقاد تعلقا ضيق الشقة الفاصلة بين النقد وعلم البلاغة ولكن حاجة ابن وكي عاليها اثناء التطبيق كانت ضئيلة وقد صرح ابن وكيع عن غايته من الحديث في انواع البديع بقوله ( وقد قدمت لك من هذه الاقسام ما تقوى به معرفتك بنقد الشعر فائقة ومقصره واطلعتك على سرائر رذله ومتخيره تتفاضل بين الشعر الاصيل وتنطق بعدل ) ومن الطريف ان نجد ابن وكيع يتعلق هنا بتحديد ابن ابي عون لاقسام الشعر ( اما اقسام الشعر فهي اما مثل سائر او تشبيه باهر او استعارة لفظها فاخر ) فإذا تجاوزنا هذه اللفتة وجدنا فصله عن البديع مستمدا من ثلاثة مصادر : كتاب البديع لابن المعتز وكتاب نقد الشعر لقدامة فهو يورد اولا مصطلحات ابن المعتز ثم يشفعها بها جاء به قدامة ويخلط ذلك بنقل عن مصدر ثالث لا يسميه وانما يقول ( ذكر ذلك بعض المحدثين ) والمعنى هنا هو الحاتمي وكتابه حلية المحاضر اذ ينقل في هذا الموطن قصة الاخفش حول مصطلح المطابقة وهي ما اشرنا اليه فيما سبق ولا يعجبه المصطلح احيانا فيحاول ان يبتكر وينتقد التتبيع ويقول انه ادخل في باب الاشارة ويورد الاستثناء ثم يعلق على ذلك بأن ابن المعتز سماه تاكيد المدح بما يشبه الذم 0
ولا ندري لم لا يصرح بذكر الحاتمي في كتابه فإن صورة الحاتمي واضحة في المنصف فقد ضلله الحاتمي بمفهوم الاستعارة عند ارسطو حين جعلها تعني الاخذ لا الفن التصويري كما ان كثيرا من نعريفاته للفنون البديعية منقول عنه وكشفه عن المعاني المسروقة في شعر ابي الطيب يلتقي فيه في كثير من الامثله مع الحاتمي بل ان تقسيماته لضروب السرقة ينظر الى ما صنعه الحاتمي مما اوردناه قبلا 0 غير انه يخالف الحاتمي في قضية ( اعذب الشعر اكذبه ) فلا يتردد ازاءها وانما يقف منها بصراحو موقف قدامة اذ يقول في الغلو فلا يتردد إزاءها، وإنما يقف منها بصراحة موقف قدامة، إذ يقول في الغلو أو الإغراق: " وطائفة من الأدباء يستحسنونه ويقولون أحسن الشعر أكذبه، والغلو يراد به المبالغة؟ بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود (وهذا قول قدامة). وقد أبت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لما كان خلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق، قال أبو محمد: ما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس من الخيار الصالحين وشهود المسلمين " ؛ وقد كان في مقدوره اعتماداً على هذه القاعدة أن يقبل كثيراً من مبالغات أبي الطيب، وهي كثيرة حقاً في شعره، ولكنه وجد نفسه إزاءها مضطراً إلى إيجاد مقياس جديد: " وللشعراء مبالغتان: ممكنة ومستحيلة، والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل " مع أنه قبل رأي قدامة قبلاً في أن الغلو خروج عن الموجود إلى المعدوم.
الجهد المضني في البحث عن سرقات المتنبي
وما الحديث عن السرقات عامة وعن فنون البديع إلا توطئة، فأما غاية " المنصف " الأولى فهي إبراز سرقات المتنبي، وتلك غاية يريد ابن وكيع أن يلتزم بتحقيقها التزاماً دقيقاً لولا انه يخشى إذا هو تغاضى عن عيوب أخرى في شعر المتنبي كالغثاثة واللحن والإحالة أن يقال إنه غفل عنها لقلة تمييزه ولذلك فإنه سينبه إلى تلك العيوب، لئلا تلحق به تلك التهمة؛ ويرسم لنسفه منهجاً في الكشف عن السرقات:
1 - فهو لا يقف عند الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات إلا قليلاً لكي لا تظن به الغفلة عنها

2 - لا يذكر المعاني التي أكثرت الشعراء استعمالها كتشبيه الوجه بالبدر والريق بالخمر.
3 - سيحكم عند كل سرقة ان كان المتنبي قصر في الأخذ أو ساوى فيها المأخوذ عنه او استحق المعنى المسروق دون قائله الاول، منبهاً على علة التقصير أو المساواة أو الزيادة.
وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية اتبع لدى التطبيق خطة منظمة، لا تشبه خطة الحاتمي القائمة على التذكر وتداعي الخواطر، وإنما تناول ديوان أبي الطيب قصيدة إثر قصيدة حسب الترتيب التاريخي لنسخة ديوانه المروية؛ وفي هذه الناحية لا يمثل " المنصف " كتاباً نقدياً وحسب، بل هو يفيدنا فائدة جليلة في تحقيق الترتيب الذي رآه للديوان، وهو مختلف عن الصورة التي نشرها الدكتور عبد الوهاب عزام في مواضع؛ يقول ابن وكيع: " أول شعر قاله أبو الطيب:
بأبي من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وافترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه علي وداعا " وبعد ان ينقد البيتين، يقولك " يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات وهي:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني ... (1) . . . . .(الأبيات) وهكذا يستمر في إيراد القصائد على تواليها في النسخة التي كانت بين يديه؛ ولكن النسخة التي وصلتنا من المنصف مضطربة الأوراق، ومع أن إعادة ترتيبها ممكنة فإنها لا تزال تشكو نقصاً آخر، إذ إنها لا تمثل إلا شعر المتنبي حتى جزء من مرحلة السيفيات؛ فكأن هذه النسخة ليست إلا قسماً صغيراً من الكتاب؛ وعلى الورقة 147 ب إشارة إلى أن الجزء الأول قد كمل وبدا
الجزء الثاني، ولا ندري أهذه تجزئة أصيلة أم إنها من عمل النساخ، ولم يبق مما يمثل هذا الجزء الثاني إلا ورقات قليلة، كذلك نلاحظ أن ابن وكيع بعد بلوغه السيفيات، لم يعد يقف عند كل قصيدة على حدة بل أخذ يستخرج من كل واحدة أبياتاً وينقدها بسرعة، دون أن يشير إلى نقلته لقصيدة تالية.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن ما تبقى من الكتاب يستطيع أن يقنعنا بان ابن وكيع قام بجهد مضن وعمل منظم، واستطاع أن يعرض علينا مبلغ محفوظه من الشعر، وهو كثير، ومبلغ اهتدائه إلى المعاني المتشابهة على نحو يفوق به الحاتمي، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية على نحو يفوق به الحاتيم، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية حتى عصره، ولكن بعد هذا الجهد المضني يصل القارئ إلى نتيجة محزنة: وهي أن شعر المتنبي (وربما كل شاعر في الكون) نوعان: شعر فارغ لا يوقف عنده، وشعر غير فارغ وهو يمثل المعاني المشتركة بينه وبين غيره من الشعراء، وأن هذا الاشتراك هو الذي يسمى سرقه، وهي ذات مستويات متفاوتة، فبعضها قائم على التقصير وبعضها على المساواة وبعضها على التفوق.
قصور المنهج القائم على تبيان السرقات عن خدمة النقد
ولسنا نقول إلى ابن وكيع وإضرابه قد أسرفوا في الميل إلى إظهار محصولهم من الحفظ لدى الكشف عن الشرقات، ولا أنهم تعسفوا في نسبة السرقة إلى الشعراء، إذ لو قلنا هذا القول لكنا نقر هذا المنهج النقدي، ونقتصر في تعقبه على بعض نتائجه؛ ولكنا نقول أن انتحاء هذا المنهج كان ضلالاً بعيداً في تاريخ النقد الادبي، واستهلاكاً لجهود كان من الممكن أن تثمر فيما هو أجدى واجدر. ذلك أن الانهماك في تبيان السرقة قد حجب عن أعين النقاد أموراً هامة؛ كيف يستطيع ابن وكيع أن يرى
مثلاً قيمة السخرية في قول أبي الطيب يصف رجلين قتلا جرذاً (1) ، وهو يفتش عن المعاني المسروقة فإذا لم يجدها قال " وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها، ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقة لفراغها " (2) ، وهل من الممكن أن نبحث من أين جاء المتنبي بقوله:
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام ونحن نرى أن هذا تعبير عن مذهب في الحياة، مستقر في نفسه شاغل للبه فهو يملك عليه وجدانه، ذلك إننا إذا ذهبنا نبحث عن مصدر هذا المعنى فكأننا نقول أن نفس الشاعر لا تصلح أن تكون منبعه الطبيعي، وكأننا نحرم تجربته من أن تتجسد طواعية واختياراً في لون من ألوان التعبير دون إلمام بما قاله الآخرون؛ وإذا سلمنا بان اتساع دائرة المشاركة في المعاني قد جعل معاني الشعر الحقيقة بالنظر - كما يزعم ابن وكيع - هي التي تداولها الشعراء فيما بينهم في ألوان من الصياغة، فإن انصراف الجهد إلى تعقبها هو قصر النقد على البيت والبيتين، أي على جزئيات بأعيانها، وهو نزع للمعنى من سياق القصيدة، وصرف النظر عن قيمته في ذلك السياق، وإبعاد للنقد عن كل ما من شانه ان يقربه من تصور أي وحدة في الأثر الشعري الكامل، وليس عمل الناقد في هذا المقام إلا كعمل من يتناول أوراق الزهرة فيأخذ ينزعها واحدة إثر واحدة قائلاً على سبيل التفاؤل " نعم - لا، نعم لا " - أو (فارغ - مسروق، فارغ - مسروق)، ولكنه لا يستطيع أن يدرك شيئاً من جمال الزهرة حال تناسق أوراقها

قضية عمود الشعر
عند الامدي
وليس من شك في ان الامدي كان يؤثر طريقة البحتري ويميل اليها ومن اجل ذلك جعلها عمد الشعر ونسبها الى الاوائل وصرح بأنه من هذا الفريق دون موارية ( والمطبوعون واهل البلاغة لايكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والاغراق في الوصف وانما يكون الفضل عندهم في الالمام بالمعاني واخذ العفو منها كما كانت الاوائل تفعل مع جودة السبك وقرب المآتي والقول في هذا قولهم واليه اذهب ) وهذا يستتبع ان نسال هلى يستطيع الموازنة المنصفة من كان لديه مثل هذا الميل ابتداء ؟ لقد اتهم الامدي في القديم بأنه تحامل على ابي تمام , قال ابو الفرج منصور بن بشر النصراني الكاتب ( كان الامدي النحوي صاحب كتاب الموازنة يدي هذه المبالغات على ابي تمام ويجعلها استطرادا لعيبه اذا ضاق عليه المجال في ذمه ) وقال ياقوت في تقييم الموازنة: " وهو كتاب حسن وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه. ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده والتعصب على أبي تمام فيما ذكره، والناس بعده فريقين: فرقة قالت برأيه حسب رأيهم في البحتري وغلبة حبهم لشعره، وطائفة أسرفت في التقبيح لتعصبه، فإنه جد وأجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري. ولعمري أن الأمر كذلك. وحسبك أنه بلغ في كتابه إلى قول أبي تمام " أصم بك الناعي وإن كان أسمعا " وشرع في إقامة البراهين على تزييف هذا الجوهر الثمين فتارة يقول: هو مسروق، وتارة يقول هو مرذول، ولا يحتاج المتعصب إلى أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من تعصباته، ولو أنصف وقال في كل واحد بقدر فضائله لكان في محاسن البحتري كفاية عن التعصب بالوضع من أبي تمام " (2) . وتعقب الشريف المرتضى بعض تعسفه في التخريج فمن ذلك: " ورأيت الآمدي يطعن على قوله - عمرت مجلسي من العواد - ويقول: لا حقيقة لذلك ولا معنى لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من المشيب ولا أن أحداً أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب، وهذا من الآمدي قلة نقد للشعر وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء ولم يرد أبو تمام بقوله - عمرت مجلسي من العواد - العيادة الحقيقية التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى وذوي الأوجاع، وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفية، فكأنه أراد أن شخص المشيب لما زارني كثر المتوجعون لي والمتأسفون على شبابي والمتوحشون من مفارقته، فكأنهم في مجلس عواد لي، لأن من شأن العائد للمريض أن يتوجع ويتفجع "
وليس يخلو الذين اتهموه بالتعصب على أبي تمام من أن يكونوا بعض الفريق الذي يحب أبي تمام ويستقل ما يقال في مدحه ويستثقل كل شيء يعاب به. أو أن يكون الآمدي قد ظلم أبا تمام فعلاً. فأما تعقب المرتضى له فليس هو اتهاماً له بالتعصب، وغنما هو اتهام بالجهل وعدم الإدراك للنقد الصحيح. ونحن نقول أن من كان يميل إلى طريقة البحتري ثم يتكلف الموازنة بينها وبين طريقة أبي تمام فإنه قادر على أن يظلم أبا تمام ويتعصب عليه. ولا ريب في أن الآمدي حاول أن يكون منصفاً، وظهر بمظهر المنصف في مواطن عديدة، ولكن ميله كثيراً ما كان يوجهه رغماً عنه، كما كان يحدد مجال الرؤية عنده بالنسبة لأبي تمام، ويوسع من حدودها بالنسبة للبحتري. فقد عرض لسرقات أبي تمام من جميع الشعراء على نحو تفصيلي. فلما وصل إلى البحتري، اكتفى بكر ما سرقه البحتري من أبي تمام وحسب، زاعماً أنه إنما يفعل لك " لان أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام " (1) . ثم يقول بعد لك: " فأما مساوئ البحتري من غير السرقات - فقد حرصت واجتهدت أن اظفر له بشيء يكون بازاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه وجودة طبعه وتهذيب ألفاظه - من ذلك إلا أبياتاً يسيرة؟ " (2) ؛ وقد يكون الآمدي مخلصاً فيما قال - بحسب مدى الرؤية - ولكن وجود الميل الكمين يجعلنا نظن أن هناك قوة توجهه لكي لا يرى ما يمكن ان يعده آخرون من عيوب البحتري. وليس في الإنصاف أن يقال: ما دام أصحاب أبي تمام يدعون له ابتكار المعاني فلا بد من إبراز ما أخذه من معاني غيره، ذلك أن الآمدي يعترف بان أبا تمام شاعر يحسن الغوص على المعاني، ومع ذلك فإنه لم يفرد في كتابه فصلاً لبيان بدائعه، واكتفى بالمقارنة في الموضوعات بينه وبين البحتري. كذلك فإن التعليقات الجارحة
التي يصدرها أحياناً في التعقيب على شعر ابي تمام تشير إلى ان ميله كان يستبد به ويخرجه إلى تسجيل تأثراته الانفعالية في نزق وضيق. كقوله: " وقوله(ان من عق والديه لملعون - البيت) من أحمق المعاني وأسخفها وأقبحها، وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله. وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه؟ وما المستحق والله للعن غيره إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف " (1) . ومثل هذا الانفعال يرد في مواطن أخرى من كتابه كقوله في التعليق على أحد الأبيات: " فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية. خبرونا كيف يجاري البين وصلها وكيف تماشي هي مطلها. ألا تسمعون ألا تضحكون " ؟ (2) . المهم أن اطمئنان القارئ في عدالة الآمدي لا يستبعد أن يهتز ويضطرب. وان تثور في نفسه أسئلة موشحة بالتشكك: أترى الآمدي لا يتعسف هنا في التأويل؟ أتراه لم يبالغ هناك في الاعتماد على ذوقه الخاص؟ الست تراه يدافع عن موقف واضح الضعف عند البحتري؟ ألا تعتقد انه لا يمكن - بقوة ميله - أن يضع على لسان أصحاب أبي تمام حججاً أقوى مما يضعه على لسان صاحب البحتري في تلك المقدمة التي نسجها على مثال المناظرات الكلامية بين الفريقين بحيث يذكرنا بما صنعه الجاحظ من إجراء المناظرة بين صاحب الكلب وصاحب الديك (3) ؟ أليس هو الذي يدين أبا تمام بأشد تهم يوجهها إليه أعداؤه محيلاً أحياناً على غيره. ناسباً الرأي
استعارة لأبي تمام بقوله: " وما أظن أحداً انتهى في اللكنة وضيق الحيلة في الاستعارة إلى أن جعل لصروف النوى قدن وأفئدة مصروعة غير أبي تمام " .
(3) انظر الموازنة1: 8 - 53، وفيها يورد بعض آراء الصولي في أبي تمام، فكأنه يتخذه نموذجاً لأصحاب هذا الشاعر، كما انه أحياناً يجعلنا نحس بأنه يتحدث بالنيابة عن أصحاب البحتري.
لسواه مع أنه قد يكون هو صاحب ذلك الرأي في مثل قوله: " وأنا اذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه والساقط من معانيه والقبيح من استعاراته والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه على ما رأيت المتذاكرين بأشعار المتأخرين يتذاكرونه وينعونه عليه ويعيبونه به؟ فأن الشاعر قد يعاب اشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره وبالإبداع جميع فنونه، فان مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة التعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه السبيل حتى سقط شعره، لان لكل شيء حداً إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه وإحالة إلى الفساد صحته وإلى القبح حسنه وبهائه، فكيف إذا تتبع الشاعر ما لا طائلة تحته من لفظة مستغثة لمتقدم أو معنى وحشي، فجعله إماماً واستكثر من أشباهه ووشح بنظائره. أن هذا لعين الخطأ وغاية في سوء الاختيار " (1) . وأصحاب البحتري لا يقولون في أبي تمام أسوأ من هذا التعليق.
عمود الذوق (أو سنة العرب) مرتكز آخر إلى جانب عمود الشعر
ويأوي الآمدي في نقده إلى ركن شديد، يجعله أساساً لنظرته النقدية وهو الرجوع في كل أمر يختلف فيه المتذوقون والنقاد إلى ما تعارفته العرب وأقرته وأثر عنها، فكما ان على الشاعر ان يلتزم عمود الشعر، فغن على الناقد ان يلتزم (عمود الذوق " وغلا فلا معنى للدربة والتمرس وطول النظر في آثار السابقين، فمن هذه الدربة يتكون ذوق الناقد، ومنها يستدل على ما جرت به العادة، فيتمكن من الحكم على إحسان الشاعر أو إساءته بالنظر إلى ما جرت عليه العرب في طريقها؛ ولا يقف هذا الأمر عند حدود اللفظ وما يجوز في الاستعمال وما لا يجوز بل يتجاوزه إلى دقائق المعاني والصور والاخيلة، فغذا قال أبو تمام:


أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع ان تزداد طول وقود قيل له: " هذا خلاف ما عليه العرب وضد ما يعرف من معانيها لان المعلوم من شان الدمع ان يطفئ الغليل ويبرد حرارة الحزن ويزيل شدة الوجد ويعقب الراحة، وهو في أشعارهم كثير موجود ينحى به هذا النحو من المعنى " (1) ولسنا نريد أن نقول إن هذا القانون يقتل الإبداع ويهمل اعتبار الطبيعة الإنسانية التي تؤمن بتغير الأذواق وتبدلها، فذلك تحكيم لقواعدنا فيما كان يظنه النقاد القدماء منهجاً صائباً في عصرهم. ولكنا نقول ان هذا القانون متعسف لأنه يفترض اللجوء إلى قاعدة لا يمكن تحديدها. فمن هو الذي يستطيع أن يزعم لنفسه وللناس أنه قد أحاط بما يسمى " طريقة العرب " في الاستعمالات اللغوية والتصويرية. ولماذا يعمد الآمدي نفسه كلما رأى أثراً قديماً مشبهاً بطريقة أبي تمام إلى الاعتذار عنه وعده من النادر أو الشاذ؟ أليس هذا النادر صادراً عن عربي، تقبله ذوقه واقره خياله - وهو خيال عربي - ولم نسمع أنه طواه استهجاناً أو قابله الناس حينئذ بالاستغراب.
عند الجرجاني
ومع ذلك فإن دين الجرجاني للآمدي كبير، لأنه قد تمثل آراءه بحذق وذكاء، دون أن يذكر الآمدي مرة واحدة: فقد رأينا كيف حام الآمدي حول ما أسماه " عمود الشعر " وحدده في الأغلب بالصفات السلبية، اعني انه ما جانب كثيراً مما تورط فيه أبو تمام: كالتعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام واستنكراه المعاني والأبعاد في الاستعارة، مما لو عكسته لأصبح صفات للبحتري، فتناول الجرجاني هذا كله ووضعه في صورة إيجابية فإذا عمود الشعر ذو أركان محددة، وهي:
1 - شرف المعنى وصحته.
2 - جزالة اللفظ واستقامته.
3 - إصابة الوصف.
4 - المقاربة في التشبيه.
5 - الغزارة في البديهة.
6 - كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.
قال: " ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض " (1) ؛ وقد كان الآمدي صريحاً في موقفه حين وجد أبا تمام قد خرج في محاولته على عمود الشعر، أما الجرجاني فلم يصرح عن رأيه في صلة المتنبي بعمود الشعر، غير انك تلمح من طرف خفي أن الشروط الستة التي وضعها تنطبق على المتنبي تماماً، فإذا طالعته بمعنى مستكره أو وصف غير مصيب أو استعارة مفرطة، دعاك إلى أن لا تحكم ببيت على أبيات، وبشاذ مفرد على مستو غالب. على أن الآمدي رفض اعتبار توليد المعاني أساساً في الشعر (2) ، ولو أخذنا رأيه ذاك على علاته، لوجدنا أبا الطيب أربى على أبي تمام وعلى كل شاعر آخر في هذا الباب، ومع ذلك فإن الجرجاني خرج من هذا المأزق بقوله: " شرف المعنى وصحته " ، فلم يعد من فرق بين أبي تمام والمتنبي إلا في التزام الأول منهما - في إسراف - كثرة التجنيس والمطابقة والاستعارة المفرطة، وعلى هذا فغن الجرجاني كان يتصور أن الصنعة البديعية هي الفارق الوحيد بين ما يسمى " عمود الشعر " وما هو خارج عنه، أما عند الآمدي فقد كان الفرق بينهما أكبر من ذلك بكثير، إذ لو سلمنا بحكم الآمدي، لكان المتنبي في هذا الموقف كأبي تمام.
عمود الشعر
وإذا كان الحال كذلك رأيناه يسرع إلى تحديد عمود الشعر " ليتميز تليد الصنعة من الطريف " ، وقديم نظام القريض من الحديث؟ ويعلم فرق ما بين المصنوع والمطبوع " (2) ؛ وقد عاد إلى العناصر التي عدها الآمدي
ووضحها الجرجاني (1) من قبل وهي:
(1) شرف المعنى وصحته.
(2) جزالة اللفظ واستقامته.
(3) الإصابة في الوصف.
(4) المقاربة في التشبيه.
وزاد عليها:
(5) التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن.
(6) مناسبة المستعار منه للمستعار له.
(7) مشاكلة اللفظ وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما.
واستغنى عن " الغزارة في البديهة " وعن (كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة " وعد هذا العنصر الثاني متولداً عن اجتماع العناصر الثلاثة الأولى وقد استخلص ما زاده من نقد قدامة؛ كما انه استخلص عيار كل عنصر منها من الحصول العام المجتمع من آراء الآمدي وقدامة والجرجاني وابن طباطبا، وردد قول ابن أبي عون " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر وتشبيه نادر واستعارة قريبة " فكانت صياغته لعمود الشعر هي خلاصة الآراء النقدية في القرن الرابع، على نحو لم يسبق إليه ولا تجاوزه أحد من بعده، فلو لم يكن عمود الشعر هو الصيغة التي اختارها شعراء العربية، لكان في أقل تقدير هو الصورة التي اتفق عليها النقاد.
المعايير المعتمدة في عمود الشعر
وإليك المعايير التي وضعها للعناصر السبعة:
" فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء، مستأنساً بقرائنه، خرج وافياً، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته.
وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال، فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم وهذا في مفرداته وجملته مراعى، لان اللفظة نستكرم بانفرادها، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجيناً،
وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرو منه، فذاك سيماء الإصابة فيه. ويروى عن عمر رضي الله عنه انه قال في زهير: " كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال " ، فتأمل هذا الكلام فإن تفسيره ما ذكرناه.
وعيار المقاربة في التشبيه الطنة وحسن التقدير. فاصدقه ما لا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل: " أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة " .
وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمراً فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال
فذاك يوشك ان يكون القصيدة منه كالبيت. والبيت كالكلمة تسالماً لأجزائه وتقارناً. وألا يكون كما قيل فيه:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل وكما قال خلف:
وبعض قريض الشعر أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئاً مما قاله، فقال:
قد قلت لو كان له قران ... وغنما قلنا " على تخير من لذيذ الوزن " لأن لذيذة يطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفاته، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه. ولذلك قال حسام:
تغن في كل شعر أنت قائله ... عن الغناء لهذا الشعر مضمار وعيار الاستعارة الذهن والفطنة، وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفى فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له.
وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طول الدربة ودوام المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضها ببعض، لا جفاء في خلالها ولا نبو، ولا زيادة فيها ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني: قد جعل الأخص للأخص، والاخس للاخس، فهو البرئ من العيب. وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود المنتظر، يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقلة في مقرها، مجتلبة لمستغن عنها " .
ولا بد من تعليق على هذا الذي قاله المرزوقي: فكل عنصر عنده له عيار وحدود يقبلها العيار؛ فأما الحدود فنستطيع أن نردها إلى ما قاله قدامة في الأغلب، وأما أنواع العيار فإنها تمثل ما جاء به الجرجاني حين تحدث عن العناصر الأربعة اللازمة للشاعر، وما قاله ابن طباطبا حول قبول " الفهم " ، وهذه هي العيارات التي استعملها المرزوقي:
1 - العقل الصحيح والفهم الثابت.
2 - الطبع.
3 - الرواية.
4 - الاستعمال.
5 - الذكاء وحسن التمييز.
6 - الفطنة وحسن التقدير.
7 - الذهن والفطنة.
8 - طول الدربة ودوام المدارسة.
ولا ريب في أن العقل والفهم والذكاء والفطنة والذهن تعبير عن حقيقة واحدة كما أن الاستعمال وطول الدربة شيء واحد؛ وإذن فإن معايير المرزوقي هي الطبع - الرواية - الذكاء - الدربة. وهي ليست شيئاً سوى ما جاء به الجرجاني (1) ؛ إلا أن الجرجاني افترض وجود هذه العناصر في الشاعر، أما المرزوقي فإنه يتحدث عن توفرها في المتلقي أو المتذوق أو الناقد.
ولو سئل المرزوقي: أين يضع أبا تمام مثلاً أو المتنبي؟ هل أحدهما أو كلاهما خارج عن عمود الشعر أو ملتزم به؟ لما كان الجواب عن ذلك قاطعاً حاسماً: فأبو تمام في المبنى من الفريق الثالث، وفي المعنى من أصحاب المعاني، ولكن استعارته أحياناً لا تناسب فيها بين المستعار والمستعار له، وفي بعض ألفاظه إذا عرضت على الطبع والرواية والاستعمال هجنة، وكثير من العناصر الأخرى المشترطة في عمود الشعر متوفر لديه، ولذا فلا يمكننا أن نقول إن أبا تمام خرج عن عمود الشعر إطلاقاً، وإنما يمكننا أن نقول إنه في بعض أبياته فعل ذلك، ومثل ذلك قد يقال في أبي نواس وفي مسلم والبحتري والمتنبي، لا خلاف في ذلك، إذ أن المرزوقي لم يقل لنا: إن العرب يشترطون اجتماع هذه العناصر كلها معاً دون هوادة، بل قال " ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان " (1) فإذا اجتمعت كلها - وهذا أمر عسير - كان الشاعر محسناً مقدماً.
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول إن نظرية " عمود الشعر " رحبة الأكناف واسعة الجنبات، وأنه لا يخرج من نطاقها شاعر عربي أبداً، وإنما تخرج قصيدة لشاعر أو أبيات في كل قصيدة، وقد أساء الناس فهم هذه النظرية وحملوها من السيئات الشيء الكثير، ولكنها أساس " كلاسيكي " رصين، فالثورة عليها لا تكون إلا على أساس رفض الشعر العربي جملة.
بل أن المرزوقي زاد من أتساع هذه النظرية حين جعلها ذات وسط وطرفين، فإما أن يعمد الشاعر إلى تحقيق هذه العناصر عن طريق الصدق، وإما أن يذهب مذهب الغلو، وإما أن يكون مقتصداً بين بين، ولكل جانب أنصاره الذين يؤثرونه، وإذا كان النقاد قبل المرزوقي قد انقسموا في فئتين: فئة تقول: أحسن الشعر أكذبه، وفئة تقول: أحسن الشعر أصدقه، فإنه قد زاد فئة ثالثة تقول: " أحسن الشعر أقصده " .
الاحكام النقدية من خلال الموازنات الادبية
عند الامدي في الموازنة :
الآمدي يحس أنه الناقد الحق الذي صوره ابن سلام
وقد كان الآمدي صورة ذلك الإحساس الذي عبر عن ابن سلام بإيجاز حين ميز دور الناقد، وعبر عنه الجاحظ بالثورة على النوع الموجود من النقد والنقاد في عصره الأول؛ فكأن الآمدي كان يحس أنه الناقد الذي اجتمعت له الآلات الضرورية للنقد، وانه قد آن الأوان لتصبح لهذا الناقد شخصيته المميزة، وحكمه الذي يؤخذ بالتسليم؛ أن النقد " علم " يعرف به الشعر، وليست تكفي فيه الوسائل الثقافية مهما تنوعت، لأن حفظ الأشعار أو دراسة المنطق أو معرفة الجدل أو الاطلاع على اللغة أو الفقه ليست هي الطريق التي تكفل لصاحبها إحراز " علم الشعر " ؛ يقول الآمدي: " وبعد فلما لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ لك الشعر؟ أمن اجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعراء وانك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه؟ فان كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك فلما لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك، فإنك دائماً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده؟. ثم أني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بان شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق أو جمل من الكلام والجدل، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو أطلعت على بعض مقاييس العربية، وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعانات ومزاولة ومتصل عناية فتوجهت فيه وسهرت. ظننت ان كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى؟. " (1) ولذلك يشكو الآمدي - كما شكا الصولي - من كثرة المدعين للمعرفة بعلم الشعر؛ وان الناس في العادة يرجعون في شئون الخيل والنقد والسلاح وما أشبه إلى العالمين بهذه الأمور، إلا في الشعر فانهم يبادرون إلى القول فيه وهم لا يحسنون، مع أن التمييز بين بيت وبيت - وكلاهما جميل الموقع - يحتاج إلى عالم بالصناعة، مثلما يحتاج من يميز بين فرسين فيهما علامات العتق والنجابة أو بين جاريتين متقاربتين في الوصف سليمتين من كل عيب. وإذا كان الناس يسلمون الحكم في كل صناعة لأهلها فمن الواجب ألا ينازعوا الناقد في حكم أصدره. ذلك لأنه مهيأ لذلك بالطبيعة أولاً وبكثرة النظر في الشعر والأرتياض له وطول الملابسة فيه. ولكن كيف يعرف المرء أنه قد اصبح ناقداً يحق له إصدار أحكام نقدية؟ هنا يحدد الآمدي هذا اللون من الامتحان: " وبعد فأني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة او الجهل بها، وهو ان تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فان عرفت علة ذلك فقد علمت، وان لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بان تتأمل شعر أوس ابن حجر والنابغة الجعدي فتنظر من أين فضلوا أوساً. وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم بن أبي بن مقبل فتنظر من أين فضلوا بشراً؟. فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموا وأخروا من أخروه. فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك؟ فأن قلت: انه قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل ذلك منك حتى تذكر العلل والأسباب؟ " (1) .
طريق الناقد الحق هي الموازنة المعللة
الموازنة المعللة هي الطريقة التي يثبت بها المرء انه قد أصبح ناقداً، فليكن الآمدي ذلك الناقد، وليقم الموازنة المعللة، لا بين اثنين حكم في أمرهما قدامى العلماء، بل بين اثنين من المحدثين، هما أبو تمام والبحتري، فالموازنة - أي الكتاب - ثمرة هذا التحدي. ليثبت الآمدي أن ناقداً من طرازه يقف في مستوى العلماء القدامى، عن لم يكن بقدرته على التعليل والتحليل أوضح مقاما.
منزلة كتاب الموازنة في تاريخ النقد، ومنهج المؤلف فيه
فكتاب " الموازنة " وثبة في تاريخ النقد العربي، بما اجتمع له من خصائص لا بما حققه من نتائج. ذلك لانه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من " الطبيعة " وحدها دون تعليل واضح، فكان موازنة مدروسة مؤيدة بالتفصيلات التي تلم بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة، وكان تعبيراً عن المعانات التي لا تعرف الكلل في استقصاء موضوع الدراسة من جميع أطرافه، ولهذا جاء بحثاً في النقد واضح المنهج، ليس فيه إلا اليسير من الاستطرادات الجزئية، وقد بين المؤلف منهجه بقوله: " وأنا أبتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين لأختم محاسنهما، وأذكر طرفاً من سرقات أبي تمام وغير ذلك من غلطه في بعض معانيه، ثم أوازن من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقنا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف، ثم أذكر ما أنفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد باباً لما وقع في شعريهما من التشبيه وباباً للأمثال أختم بهما الرسالة، ثم أتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه وتقع الإحاطة به إن شاء الله تعالى " ، ونحن إذا استثنينا التلاحم المنهجي الذي قام عليه " نقد الشعر " لقدامة لا نجد بعده ما يقاربه في انتحال صفة " الرسالة " العلمية مثل كتاب الموازنة، أضف إلى ذلك أن كتاب الآمدي قد استغل جميع وسائل النقد التي عرفت في عصره: من تبيان للمعاني المسروقة ومن سلوك سبيل القراءة الدقيقة والفحص الشديد، ومن الاحتكام إلى الذوق الفردي حيناً وإلى الثقافة حيناً آخر، مما سنقف عنده في سياق هذا البحث. واحتفل الآمدي كما يحتفل كاتب الدراسة العلمية، بكل ما كتب في الموضوع نفسه، وناقش مؤلفات من تقدموه برأ]ه وذكائه وإنصافه.
لم الموازنة؟
ولكن لم الموازنة لو كانت لتفضيل أحد الشاعرين - تصريحاً - على الأخر، لكانت محدودة الهدف واضحة الغرض، ولكن الآمدي يصرح بأنه لن يطلق القول في أيهما أشعر " لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين، لان الناس لم يتفقوا على أي الأربعة اشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير
والأعشى ولا في جرير والفرزدق والأخطل ولا في بشار ومروان والسيد ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم والعباس بن الأحنف لاختلاف آراء الناس في الشعر وتباين مذاهبهم فيه " (1) . وإذا لم يكن التفضيل ممكناً فهل التسوية بينهما ممكنة؟ الآمدي لا يرى ذلك، مخالفاً لكثير من الناس عدوا الطائيين طبقة ذهبوا إلى المساواة بينهما، فهما في رأيه مختلفان: " لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام، فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور النمري وأبي يعقوب الخريمي المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف صاحب صنعة ويستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم أبن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أني لا أجد من أقرنه به لأنه ينحط عن درجة مسلم، لسلامة شعر مسلم وحسن سبكه وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته " (2) . وأحب أن تقف عند قوله " وما فارق عمود الشعر المعروف " فإن هذا التعبير يواجهنا هنا لأول مرة، وأن تتأمل قوله في أبي تمام " وعلى أني لا أجد من قرنه به " وتتساءل: إذا كان أبو تمام لا يقترن بأحد من أبناء مذهبه وطبقته فهل من الممكن أجراء الموازنة بين شاعرين متباعدين في الطريقة؟ أليست هذه الموازنة كوضع حديد في كفة ميزان ووضع نحاس في كفة أخرى، ولا يكون الحكم بعد ذلك إلا حول أيهما يرجح بالآخر من حيث الكم لا من حيث النوع؟ وعلى هذا يظل السؤال الأول " لم الموازنة؟ " وارداً دون جواب.

الموازنة ذات مظهر علمي موهم باستغلال الإحصاء
اكبر الظن أن الموازنة كانت في حينها تلبية " علمية المظهر " والمنهج لحاجة ذلك الصراع الدائر بين المتطرفين من الفريقين؛ وكان هذا التطرف يرى الحسنات عند واحد ويقرن غليها السيئات عند آخر، ثم يعمى كل منهما عن سيئات صاحبه. فمن حق الموازنة ان تكون قائمة على الحساب: هذه حسنة يقابلها حسنة وهذه خمس سيئات يقابلها أربع، فإن شئت بعد ذلك أن تقوم بعملية جمع وطرح، استطعت ان تصل إلى نوع من الحكم قائم على الدقة الإحصائية، وهو على أية حال أسلم من الحكم المرسل، الذي يأخذ الأمور بالجملة دون التفصيل. ومن السذاجة أن تقول إن هذا أشعر من ذاك، وإن شئت قلت غير حافل بتهمة السذاجة، ولكنك عندئذ تعلن عن انتمائك إلى فريق من النقاد والمتذوقين بأكثر مما تدين الشاعر الذي لا تحب شعره.
الموازنة نظرياً نقطة التقاء المنصفين وعملياً توقع الآمدي في التناقض
وتلك غاية أخرى تكفل الموازنة تحقيقها وهي ان تكون نقطة الالتقاء بين المنصفين من كلا الفريقين: وبها ينكشف الغطاء عن مذهبين متوازيين عاشا جنباً إلى جنب في تاريخ الشعر العربي وتاريخ الذوق العربي. وأنا لنعجب من الآمدي كيف يزعم أن هناك ما يسمى " عمود الشعر القديم " وهو أدق الناس إحساساً بتعايش هذين المذهبين: الأول مذهب الشعراء المبتكرين للمعاني ويصح أن نسميه مذهب امرئ القيس كان خارجاً على " عمود الشعر القديم " ؟ أستمع إلى الآمدي يصور المنصفين من أصحاب البحتري: " ووجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها والإبداع والإغراب فيها؟. وإذا كان هذا هكذا مسلكه فقد سلموا له الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم وهو لطيف المعاني. وبهذه الحالة دون ما سواها فضل امرؤ القيس، لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام، حتى أهن لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره. ولكن كسائر الشعراء من أهل زمانه. إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم " (1) . ثم أستمع إليه يصور موقف المنصفين من أصحاب أبي تمام: " ووجدت أكثر أصحاب أبي تمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ وجودة الرصف وحسن الديباجة وكثرة الماء وإنه أقرب مأخذاً وأسلم طريقاً من أبي تمام ويحكمون مع هذا بأن أبا تمام أشعر منه؟ وهذا مذهب من جل ما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني " (2) ، أيحق للآمدي بعد ذلك أن يقول - كأنه يردد رأي الجاحظ - " ودقيق المعاني موجود في كل أمة وفي كل لفة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه " (3) وهل " أهل العلم بالشعر " على من يفضلون قرب المأخذ واختيار الألفاظ وقرب الاستعارات؟الخ؟ إنك ترى التناقض واضحاً هنا في تصور الآمدي لتياري النقد، بسبب من ميله الذاتي إلى الفريق الثاني، وأكبر الظن أنه انقاد لهذا الميل الذاتي نفسه، وأنه استوحى هذا الميل حين هجن طريقة أبي تمام وفسرها على غير وجهها بقوله: " وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة وكانت عبارته مقصرة
عنها ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن أتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر - قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً ولا ندعوك بليغاً، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب ولا على مذهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء؟ " (1) ؛ فهذا التصوير لا ينطبق على شعر أبي تمام، والمتعسف منه في اللفظ والمعنى لا يشمل إلا أبياتاً معدودة بشهادة الآمدي نفسه، ولو صح أن أبا تمام كان فيلسوفاً أو حكيماً لما جازت الموازنة بينه وبين البحتري، ولكانت محاولة الآمدي من أساسها منقوضة لأنها مبنية على الموازنة بين شاعر وفيلسوف.
النقد وفكرة اعجاز القران الكريم
عند الباقلاني
الباقلاني والإعجاز
وتعد جهود الرماني والخطابي على هامش النقد الأدبي إذا هي قيست بجهد الباقلاني ( - 403) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يفيد إفادة تفصيلية من جهود النقاد السابقين، وأن يطور أثناء بحثه لقضية الإعجاز بعض النواحي النقدية.
فبعد أن أطلع على الجاحظ وابن قتيبة وابن المعتز وقدامة والآمدي اتضح لديه أن فكرة الإعجاز لدى نقاد الأدب قد سارت في طريقين (وتعددت تعليلات الإعجاز من طرق أخرى غير الطريقة الأدبية): إحداهما الطريق التي سار فيها ابن المعتز وقدامة وتبعهما فيها الرماني وهي تعليل الإعجاز عن طريق البديع، أو دراسة الصور البيانية في القرآن، وكان ابن قتيبة قد ألم بأطراف هذه الطريقة في كتابه " مشكل القرآن " ، وأما الطريقة النقدية الثانية فهي مذهب القائلين بالنظم والتأليف وهي طريقة الجاحظ والآمدي وفيها سار الخطابي عندما تحدث عن الإعجاز، وكان الجاحظ قد ألف في فكرة الإعجاز كتاباً سماه " نظم القرآن " .
ليس الإعجاز من جهة البديع
وتساءل الباقلاني: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تصمنه من البديع (1) ؛ وبعد أن سرد أنواع البديع - كما أوردها ابن المعتز وقدامة وربما ما عداه الحاتمي أيضاً - قال: " وقد قدر مقدرون انه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا، لان هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه؛ والوجوه التي نقول عن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال " (2) . فالباقلاني لا يرى هذا الفن طريقاً لإثبات الإعجاز لأنه ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل انه شيء يمكن أن يحذقه المرء بالتعلم. ولكن ربما قيل أن أنواع البديع تمثل نوعاً من البراعة، وبهذا المعنى قد توجد في القرآن (3) .
رد على الرماني
وكان أهم من استغل هذه الطريقة لابراز مدى الإعجاز في بلاغة القرآن هو الرماني، ولذلك عاد إليها الباقلاني قائلاً: " ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز والتشبيه والاستعارة؟ الخ " (4) ولخص كتاب النكت؛ ثم رجع إلى رأيه الذي لا يحيد عنه وهو ان الإعجاز لا يثبت من هذه الطريق: " وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يتصل به من الكلام ويفضي إليه مثل ما يقول: عن ما أقسم به وحده بنفسه معجز
وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز والمطابقة بنفسها معجزة؛ فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لا أدفع ذلك وأصححه ولكن لا ادعي إعجازها لموضع التشبيه، وصاحب المقالة التي حكيناها (يعني الرماني) أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه؟ " (1) .
تقصير الجاحظ في استقلال فكرة النظم، وإيثار موقف ابن قتيبة والآمدي
وأما الطريقة النقدية الثانية التي تتحدث عن حسن التأليف فقد رأى الباقلاني أن الجاحظ قصر في استغلالها: " وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتاباً لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى " (2) ، ولذلك فغن الباقلاني وجد الوسائل التي تسعفه على إثبات فكرة الإعجاز لدى ابن قتيبة والآمدي، وربما لدى الخطابي نفسه.
الانتقال من التفاوت في الشعر إلى القول بعدم التفاوت في القرآن
فإما ابن قتيبة فإنه كان قد شرح فكرة التفاوت بين قصائد الشاعر الواحد، كما شرح التفاوت بين الشعراء، فكانت هذه الفكرة مدخل الباقلاني إلى القول بان عدم التفاوت في نظم القرآن يرتفع به عن مستوى أي شعر أو نثر، لأنه لا بد من أن يخضع هذان عند البشر للتفاوت. " إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام؟ ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور: فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين؟.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه؟ ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً ومنهم من ينظم القصيد؟ ولا ينظم الرجز؟ الخ " (1) . وأعجبت الباقلاني فكرة التفاوت هذه فشقق منها ضروباً جديدة إذ رأى أيضاً إن كلام الفصحاء يتفاوت في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، وقد يحسن الشاعر النظم ويقصر في الخروج من معنى إلى غيره أو يختلف انتقاله أحياناً إذا اختلف الموضوع (2) .
ناقد الآمدي والتفاوت
وهذا التفاوت نفسه منحك الناقد البارع لأنه لا يخفى عليه شيء من أمره، فهو يميز طرائق الشعراء بحيث لا تخفى عليه صنعة أبي نواس من سبك مسلم ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، بل يستطيع ان يميز طرائق الكتاب، غلا حيث يغمض ذلك جداً في حال الشعر والنثر، وهذا الناقد هو الذي تقبل كلمته ولا يرد حكمه في النقد، - هو الناقد الذي وصفه الآمدي - وسبيل ذلك في إعجاز القرآن كالحال في الشعر والنثر، فإذا اشتبهت على الناشئ أو المتشاعر بلاغة القرآن فليس هو ممن يصار إلى رأيه فالبليغ يعرف علو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، ولا غنى لمن قصر في هذا عن التسليم للناقد العارف كذلك (3) .
الإعجاز في النظم بعد إدراك عدم التفاوت
النظم إذن هو الطريق التي اختارها الباقلاني لإثبات الإعجاز، وليس انعدام التفاوت هو المظهر الوحيد الدال على إعجاز ذلك النظم، بل هناك عنصران آخران: أحدهما الطول الذي استوعبه ذلك النظم دون تفاوت، مع إن المعروف في حال الشعر والنثر إن الشاعر لا يجيد إلا في أبيات أو قصائد وأن الحكيم ليست له إلا كلمات معدودة (1) ؛ وثانيهما أن هذا النظم قد ورد على غير المعهود من نظم الكلام جميعه عند العرب، وذلك أن كلام العرب يقع تحت النماذج الآتية:
1 - أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه.
2 - أنواع الكلام الموزون غير المقفى.
3 - أصناف الكلام المعدل المسجع.
4 - أصناف الكلام المعدل الموزون غير المسجع.
5 - أنواع الكلام المرسل (2) .
فإذا تدبرنا نظم القرآن وجدنا أنه لا يسير على واحد من هذه النماذج، ولذلك ذهب الباقلاني ينفي أن يكون فيه شعر أو سجع، دونما حاجة إلى نفي الإرسال لأن ذلك واضح في أسلوبه لا يتطلب نفياً.
عند عبد القاهر الجرجاني
النقد وفكرة الإعجاز
الانطلاق من فكرة الإعجاز إلى إقرار قواعد النقد والبلاغة
كان النقد والبلاغة لدى المحدثين عن الإعجاز في القرن الرابع مركبتين اتخذوهما للوصول إلى " منطقة " الإعجاز، ثم إفراد تلك المنطقة عما حولها، ولكن عبد القاهر الجرجاني ( - 471) (1) - أكبر متحدث منطلقه فكرة الإعجاز نفسها، وعن هذه الطريق أسهم في توضيح مفهوم البلاغة - على نحو لم يسبق له مثيل - كما أسهم في معالجة كثير من النظريات النقدية بمعدات جديدة من الفحص الدقيق والتغلغل النافذ إلى بواطن الأمور.
الإعجاز في النظم
فلقد قرر عبد القاهر في نفسه منذ البداية ان القرآن معجز، وحاول أن يستكشف فيه مواطن الإعجاز، هل هو في الالفاظ؟ فرد هذا القول رداً حاسماً لان الألفاظ المفردة موجودة في الاستعمال قبل نزول القرآن، ولا يجوز
هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني: فارسي الأصل جرجاني الدار كان ذا ثقافة نحوية عميقة، وله في النحو مؤلفات، ولثقافته أثر في نظرته إلى النقد والبلاغة، ويقول القفطي إنه كان ضيق العطن لا يستوفي الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك (انظر ترجمته في أنباه الرواة 2: 188 وبغية الوعاة: 310 وطبقات الشافعية 3: 242 وفي حاشية الانباه ذكر لعدد من المصادر الأخرى).
أن يكون الإعجاز في ترتيب الحركات والسكنات، أي في طبيعة الإيقاع لان ذلك قد ينطبق على مثل حماقات مسيلمة في قوله " إنا أعطيناك الجماهير فصل لربك وجاهر " ، ولا يتحقق الإعجاز بالفواصل لان الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وذلك أمر كان العرب قد أتقنوه فلم يعد معجزاً لهم. فإذا بطل ان يكون الإعجاز متأنياً من هذه الأمور، فهل الإعجاز آت من الاستعارة؟ ذلك أيضاً ممتنع " لأن ذلك يؤدي أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة " (1) ، وإذا كانت كل هذه الأمور مجتمعة أو منفردة لا تحقق الإعجاز " فلم يبق إلا أن يكون (الإعجاز) في النظم والتأليف " (2) .
تحديد معنى النظم بالتزام الأوضاع النحوية
ما المقصود بالنظم والتأليف - وهما مترادفان في رأي عبد القاهر - ؟: يقرر الجرجاني أولاً أنه ليس للفظة في ذاتها، لا في جرسها ولا دلالتها، ميزة أو فضل أولي، وليس بين أية لفظة وأخرى في حال انفراد كل منهما عن أختها من تفاضل؛ لا يحكم على اللفظة بأي حكم قبل دخولها في " سياق " معين، لأنها حينئذ وحسب ترى في نطاق من التلاؤم أو عدم التلاؤم؛ وهذا السياق هو الذي يحدث " تناسق الدلالة " ويبرر فيه " معنى " على وجه يقتضيه العقل ويرتضيه. وربط الألفاظ في سياق يكون وليد الفكر لا محالة، والفكر لا يضع لفظة إزاء أخرى لأنه يرى في اللفظة نفسها ميزة فارقة، وإنما يحكم بوضعها لان لها معنى ودلالة بحسب السياق نفسه، ولهذاكانت " المعاني " لا الألفاظ هي المقصودة في إحداث النظم والتاليف، فلا نظم في الكلم ولا تأليف حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وبهذا يكون اللفظ تابعاً للمعنى، بحسب ما يتم ترتب المعنى في النفس (3) .
ويخلص عبد القاهر من هذا إلى وضع نظريته التي لا يسأم من تردادها في تحديد المراد من النظم فيقول: " وعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها " (1) ، ويؤكد ما تقدم بقوله: " فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطوه - عن كان خطأ - إلى النظر ويدخل تحت الاسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه أو عوامل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له " (2) ، أي أن من شاء أن يحكم على مدى الصواب والخطأ في النظم فلابد له من أن يعالج قضايا التقديم والتأخير والفصل والوصل والإظهار والإضمار والاستفهام والنفي أو ما أصبح من بعد عبد القاهر يسمى " علم المعاني " . وعند هذا الحد انتهى نظر عبد القاهر في " قضية الإعجاز " لان هذا " النظم " هو أساس الجمال أيضاً في الشعر والنثر، ولم يقل لنا عبد القاهر إلى أي حد سما " نظم القرآن " - كماً وكيفاً - على ما عداه من صور " النظم " الجميل في الفنون الأدبية؛ وبهذه النظرة اتجه عبد القاهر إلى النقد والبلاغة يضع فيهما أحكاماً، دون التفات كثير إلى أن " قضية الإعجاز " تتطلب شيئاً أبعد من حد المشاركة في الجمال المشاع بين صور التعبيرات الأدبية المختلفة.
ولما كانت الآراء النقدية هي ما يهمنا في هذا الفصل فإننا سنتجاوز الأحكام البلاغية الخالصة، لنرى دور عبد القاهر في النقد الأدبي وحده:
حملته على المنحازين إلى اللفظ
كانت الرواقد النقدية التي التقت في ذهن الجرجاني متعددة ولعلها كانت تبدو له متضاربة، كما تعددت وتضاربت الآراء حول فكرة الإعجاز نفسها، فقد أزعجه أولاً أن يرى ذلك التقدير للألفاظ وتقديمها على المعاني عند من سبقه من النقاد، حتى إنهم جعلوا للفظة المفردة مميزات وصفات لم يستطع أن يتقبلها ذهنه المتمرس بتفاوت الدلالات، وقيمة التعبير عن ذلك التفاوت، وكان يحس بوعي نقدي فذ أن ثنائية اللفظ والمعنى التي تبلورت عند ابن قتيبة قد أصبحت خطراً على النقد والبلاغة معاً: أما على المستوى النقدي فإن الانحياز إلى اللفظ قتل " الفكر " الذي يعتقد الجرجاني انه وراء عملية أدق من الوقوف عند ميزة لفظة دون أخرى؛ وأما على المستوى البلاغي فإن الجرجاني لم يستطع أن يتصور الفصاحة في اللفظة وإنما هي في تلك العملية الفكرية التي تصنع تركيباً من عدة ألفاظ (1) ؛ وقد يجد الجرجاني عذراً للقدماء الذين أقاموا تلك الثنائية ففخموا شأن اللفظ وعظموه وتبعهم في ذلك من بعدهم حتى قالوا: المعاني لا تتزايد وغنما تتزايد الالفاظ، وعذرهم في ذلك أن المعاني تتبين بالألفاظ ولا سبيل لمن يرتبها إلى أن يدلنا على ما صنع في ترتيبها إلا بترتيب الألفاظ، لهذا تجوز القدماء فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ نفسها، ثم تحدثوا عن الألفاظ وحذفوا كلمة " ترتيب " ثم اسبغوا على الألفاظ صفات فارقة فقالوا: لفظ متمكن ولفظ قلق؟ الخ وإنما مقصودهم المعنى (2) ؛ ورغم هذا العذر الذي يجده للأقدمين فإنه يرى ان النقاد قد تورطوا في الجهل الفاحش حين لجأوا إلى هذه القسمة أو حين احتموا بذلك التصور، وأصبح اقتلاعه من نفوسهم أمراً عسيراً، وعاب ابن قتيبة - دون أن يسميه - لأنه قسم الشعر في أنواع: منه ما حسن لفظه ومعناه ومنه ما حسن لفظه دون معناه ومنه ما حسن معناه دون لفظه،
فإذا لم يكن ابن قتيبة - وهو أحد القدماء - معيباً فيما صنع، فإن من جاء بعده قد ضل ضلالاً بعيداً حين اخذ هذه القسمة على ظاهرها (1) ، واعتقد باستقلال اللفظة ومنحها صفات خاصة بها.
عند الرماني
الرماني والإعجاز
ويبدو ان الرماني ( - 386) الذي كان شديد التأثر بالمنطق اليوناني (1) - اطلاعاً عليه أو تشبهاً بطريقة المناطقة - قد عرق شيئاً من قسمة بعض الباحثين اليونانيين للأسلوب في ثلاثة أنواع: رفيع ومتوسط وعادي، فنقل هذه القسمة إلى البلاغة فقال: " فأما البلاغة فهي على ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس " (2) ثم يعرف البلاغة بأنها " إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " (3) فمنذ الخطوة الأولى نجد الرماني قد لمح الأثر النفسي للبلاغة لكي يجعل المعجز منها اشدها تأثيراً. ثم قسم البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان (4) ، وأفرد لكل نوع فصلاً على حدة. ومن الواضح ان هذه القسمة لأنواع البلاغة تنتمي إلى مصادر مختلفة فبعضها في الصورة وبعضها في النظم وبعضها في المعنى، ومنها ما يتصل باللفظة الواحدة (كالفواصل)، ولاختلاف مصادرها كانت قسمة متداخلة غير منطقية؛ ويكثر الرماني من الحدود والتعريفات الجزئية معتمداً أيضاً أسساً مختلفة في التقسيم: فالإيجار عنده على وجهين: حذف وقصر؛ والإيجاز على وجهين: أحدهما إظهار النكتة بعد الفهم لشرح الجملة، والثاني إحصار المعنى بأقل ما يمكن من العبارة؛ والإيجاز أيضاً على ثلاثة أوجه: إيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح؟ فهذه قسمة أولى وثانية وثالثة للإيجاز مع تغيير زاوية النظر في كل مرة.
ويتفاوت شرح الرماني لهذه الأرقام العشرة، كما تتفاوت قدرته في تطبيقها على القرآن، فبينا نجده على خير أحواله عند الحديث عن الإيجاز والتشبيه والاستعارة. واثقاً من نفسه مكثراً من الامثلة، نجد حديثه في التلاؤم عاماً لا تطبيق فيه، وكذلك هو حديثه في التضمين والتصريف. أما حديثه عن المبالغة فإنه يدل على انه جعل ضمنها التشكيك والتهويل. ولم يأت بما يدل على المبالغة حسب المفهوم المتعارف للبلاغيين.
وفي غير موطن من كتاب النكت نجد الرماني يقف عند الأثر النفسي للكلام البليغ، فإيجاز الحذف مثلاً جميل بليغ " لان النفس تذهب فيه كل مذهب " - أو كما نقول اليوم إنه يفسح المجال لخيال المتلقي. كذلك يدرك ما في التشبيه من مؤثرات نفسية كالتخويف والتشويق وما إلى ذلك، أما التلاؤم فغايته " تقبل المعنى في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة " (1) .
غير أن للرماني آراء يخالف بها المفهومات العامة في سبيل الوصول إلى فكرته، منها: إسقاطه الإطناب من أنواع البلاغة، فإذا سئل عن ذلك قال: " إذا كان الإطناب لا منزلة غلا ويحسن اكثر منها فالإطناب حينئذ إيجاز " (2) . ومن ذلك إطلاقه الحكم على أن السجع غيب، وقصره الاستشهاد عليه بسجع الكهان إمعاناً في تقرير عيبه، وذلك ليثبت أن الفواصل هي البلاغة، لأنها تابعة للمعاني، أما الأسجاع فالمعاني تابعة لها " (1) .
ولا ينكر الرماني أن بعض العبارات - من غير القرآن - تبلغ حداً بعيداً من البلاغة، ولكن حكم الإعجاز لا يجري عليها غلا حتى ينتظم الكلام بحيث يكون كأقصر سورة او أطول آية، وعند ذلك يظهر حكم الإعجاز (2) .
وإذا كان الرماني قد استطاع إجراء المقارنة بين بعض صور الإيجاز في كل من القرآن وكلام البلغاء وبين فضل الإيجاز في القرآن على غيره فإنه لم يفعل ذلك عندما درس بقية الأقسام البلاغية، فلم يبين مثلاً لماذا كانت هذه الاستعارة القرآنية خيراً من تلك في كلام شاعر أو خطيب، ولم يتحدث عن فضل التشبيه القرآني على غيره. واكثر التشبيهات التي أوردها تمثيلات. وإنما اكتفى بشرح كل استعارة أو تشبيه وبيان بلاغته درجة أو درجات فوق التعبير الحقيق. ولجأ إلى التعليل العام في قوله: " وظهور الإعجاز في الوجوه التي نبينها يكون باجتماع أمور يظهر بها للنفس أن الكلام من البلاغة في أعلى طبقة " (3) ، وكأنه فاء إلى القول بان ليس هناك من تعليل واضح المعالم والسمات.
إن محاولة الرماني لم تتعد الاستعانة بالمصطلح البلاغي شيئاً كثيراً إلا في جانب التأثير النفسي ولذلك وقف عند الباب المغلق بقوله: " فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن أحداً أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل، لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية " (4) ، وهذا أمر منوط بالتصور، وهو خطا كما يرى، إذ لابد من نهاية منطقية ليكون المعجز نفسه هو " نهاية الحسن " .
وقد اختلف تقبل الناس لكتاب النكت، فاعترض كثيرون على الحدود فيه، وتأثر بعض البلاغيين به ونقلوا آراءه وأمثلته، ووقف الباقلاني من تعليله لإعجاز القرآن عن طريق أنواع البديع موقف الحذر، ورفض ابن سنان الخفاجي أن يقبل حكمه على السجع ورد على قوله " أن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى " فقال: ليس الأمر على ذلك، ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد أن في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه، ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن بعضه بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو عرف من نقد الكلام طرفاً "
لا تنسوني من خالص دعواتكم
قبري يضمني ولا احد يذلني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:26 AM.

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd